First Previous Next Last

وهنا فرق ثالث وهو: أن يكون المعرض إما أن يكون أبطل بالتعريض حقًا لله أو لآدمي فأما من جهة الله سبحانه فلم يبطل حقاً له لأنه إذا ناجى ربه سبحانه بكلام وعنى به ما يحتمله من المعاني الحسية لم يكن ملوماً في ذلك ولو كان كثير من الناس يفهمون منه خلاف ذلك لأن الله عالم بالسرائر واللفظ مستعمل فيما هو موضوع له وأما من جهة الآدمي فلا يجوز التعريض إلا إذا لم يتضمن إسقاط حق مسلم فإن تضمن إسقاط حقه حرم بالإجماع.
فثبت أن التعريض المباح ليس من المخادعة لله سبحانه في شيء وإنما غايته أنه مخادعة لمخلوق أباح الشارع مخادعته لظلمه جزاء له على ذلك ولا يلزم من جواز مخادعة الظالم جواز مخادعة المحق فما كان من التعريض مخالفاً لظاهر اللفظ في نفسه كان قبيحاً إلا عند الحاجة وما لم يكن كذلك كان جائزاً إلا عند تضمن مفسدة والذي يدخل في الحيل إنما هو الأول وقد ظهر الفرق من جهة أنه قصد باللفظ ما يحتمله اللفظ أيضاً وإن هذا القصد لدفع شر والمحتال قصد باللفظ ما لا يحتمله وقصد به حصول شر.
واعلم أن المعاريض كما تكون بالقول فقد تكون بالفعل وقد تكون بهما مثال ذلك: أن يظهر المحارب أنه يريد وجهاً من الوجوه ويسافر إلى تلك الناحية ليحسب العدو أنه لا يريده ثم يُكِرَّ عليه أو يستطرد المبارز بين يدي خصمه ليظن هزيمته ثم يعطف عليه وهذا من معنى قوله: "الحرب خدعة" وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها.
من باب الحيل ما في قصة سيدنا يوسف -عليه السلام- ومن هذا الباب مما قد يظن أنه من جنس الحيل التي بينا تحريمها وليس من جنسها قصة يوسف -عليه السلام- حين كاد الله له في أخذ أخيه كما نص ذلك سبحانه في كتابه فإن فيها ضروبا من الحيل
أحدها: قوله لفتيته: {اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} يوسف: 62 فإنه تسبب بذلك إلى رجوعهم وقد ذكروا في ذلك معاني