أن يبعد بها وجعل ينتظره بعد ما دخل الليل وهو يلوم قومه على شفاعتهم فيه ومنعهم إياه من عقوبته وهم يعتذرون عن ابنه ولا ينكرون إبطاءه حتى إذا أنهار الليل ركب في طلبه فلحقه وأستاق الإبل حتى قدم بها على أبي بكر -رضي الله عنه- فكانت صدقات طيء مما استعان بها أبو بكر في قتال أهل الردة وكذلك في الحديث الصحيح: أن عدياً قال لعمر -رضي الله عنهما- في بعض الامراء: أما تعرفني يا أمير المؤمنين قال: بلى أعرفك أسلمت إذا كفروا ووفيت إذا غدروا وأقبلت إذا أدبروا وعرفت إذا أنكروا ومثل هذا: ما أذن النبي صلى الله عليه وسلم للوفد الذين أرادوا قتل كعب بن الأشرف أن يقولوا. وأَذِن للحجاج بن علاط عام خيبر أن يقول وهذا كله الأمر المحتال به مباح لكون الذي قد أوذي قد أذن فيه والأمر المحتال عليه طاعة لله أو أمر مباح.
الضرب الثالث: أنه أذن مؤذن: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ. قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ. قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: 70-72 إلى قوله: {قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ. قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ. فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} يوسف: 7476. وقد ذكروا في تسميتهم سارقين وجهين:
أحدهما: أنه من باب المعاريض وأن يوسف نوى بذلك أنهم سرقوه من أبيه حيث غيّبوه عنه بالحيلة التي احتالوها عليه وخانوه فيه والخائن يسمَّى سارقاً وهو من الكلام المشهور حتى أن الخونة من ذوي الديوان يسمون لصوصاً
الثاني: أن المنادي هو الذي قال ذلك من غير أمر يوسف عليه السلام. قال القاضي أبو يعلى وغيره: أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصاع في رحل أخيه ثم قال بعض الموكلين بالصيعان - وقد فقدوه ولم يدروا من أخذه منهم -: أيتها العير إنكم لسارقون على ظن منهم أنهم كذلك ولم يأمرهم يوسف بذلك فلم يكن قول