هذا القائل كذباً كان في حقه وغالب ظنه ما هو عنده ولعل يوسف قد قال للمنادي هؤلاء قد سرقوا وعنى بسرقته من أبيه والمنادي فهم سرقة الصواع وهو صادق في قوله: نفقد صواع الملك فإن يوسف لعله لم يطلع على أن الصواع في رحالهم ليتم الأمر فنادى: إنكم لسارقون بناء على ما أخبر به يوسف وكذلك لم يقل: سرقتم صاع الملك وإنما قال: نفقده لأنه لم يكن يعلم أنهم سرقوه أو أنه أطلع على ما صنعه يوسف فاحترز في قوله فقال: إنكم لسارقون ولم يذكر المفعول ليصح أن يضمر سرقتهم يوسف ثم قال: نفقد صواع الملك وهو صادق في ذلك وكذلك احترز يوسف في قوله: { مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ} يوسف: 79 ولم يقل: إلا من سرق.
وعلى التقدير فالكلام من أحسن المعاريض وقد قال نصر بن حاجب: سُئل سُفيان بن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله ويحرف القول فيه ليرضيه أيأثم في ذلك قال: ألم تسمع إلى قوله: ليس بكاذب من أصلح بين الناس فكذب فيه فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم خير من أن يصلح بين الناس بعضهم في بعض وذلك أنه أراد به مرضاة الله وكراهة أذى المؤمن ويندم على ما كان منه ويدفع شره عن نفسه ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة عندهم ولا لطمع شيء يصيب منهم فإنه لم يُرَخِّصْ في ذلك ورخص له إذا كره موجدتهم وخاف عداوتهم. قال حذيفة: إني اشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن أتقدم على ما هو أعظم منه وكره أيضاً أن يتغير قلبه عليه قال سفيان: وقال الملكان: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ} ص: 22 أراد معنى شيء ولم يكونا خصمين فلم يصيرا بذلك كاذبين وقال إبراهيم: { إِنِّي سَقِيمٌ} الصافات: 89 وقال: {قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} الأنبيائ: 63 وقال يوسف: {إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ} يسوف: 70 أراد معنى أمرهم. فبين سفيان أن هذا كله من المعاريض المباحة من تسميته كذا وإن لم يكن في الحقيقة كذباً كما تقدم التنبيه على ذلك وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضاء من عليه الحق وهذه الحجة ضعيفة فإن يوسف لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه