في دينكم وقد كان من دين ملك مصر فيما ذكره المفسرون: أن السارق يضرب ويغرم قيمة المسروق مرتين ولو قالوا ذلك لم يمكنه أن يلزمهم بما لا يلزمه غيرهم ولهذا قال سبحانه: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} يوسف: 76 أي: ما كان يمكنه أخذه في دين ملك مصر لأن دينه لم يكن فيه طريق إلى أخذه -إلا أن يشاء الله - إستثناء منقطع أي: لكن إن شاء الله أخذه بطريق آخر أو يكون متصلاً بأن يهيىء الله سبحانه سبباً آخر بطريق يؤخذ به في دين الملك من الأسباب التي كان الرجل في دين الملك يعتقل بها فإذا كان المراد بالكيد فعلاً من الله سبحانه بأن ييسر لعبده المؤمن المظلوم المتوكل عليه أموراً يحصل بها مقصوده بالإنتقام من الظالم وغير ذلك فإن هذا خارج عن الحيل الفقهية فإنا إنما تكلمنا في حيل يفعلها العبد لا فيما يفعله الله سبحانه بل في قصة يوسف تنبيه على أن من كاد كيداً محرماً فإن الله يكيده وهذه سنة الله في مرتكب الحيل المحرمة فإنه لا يبارك له في هذه الحيل كما هو الواقع وفيها تنبيه على أن المؤمن المتوكل على الله إذا كاده الخلق فإن الله يكيد له وينتصر له بغير حول منه ولا قوة وعلى هذا فقوله بعد ذلك: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} الأنعام: 83 قالوا: بالعلم وفيه تنبيه على أن الخفي الذي يتوصل به المقاصد الحسنة مما يرفع الله به الدرجات وفيه دليل على أن يوسف كان منه فعل فيكون بهذا العلم هو ما اهتدى به يوسف إلى أمر توكل في إتمامه على الله فإن اهتداءه لإلقاء الصاع واسترجاعهم نوع فعل منه لكن ليس هذا وحده هو الحيلة والحيل الفقهية بها وحدها يتم عرض المحتال لو كانت حلالاً.
النوع الثاني: من كيده لعبده هو أن يلهمه سبحانه أمراً مباحاً أو مستحباً أو واجباً يوصله به إلى المقصود الحسن فيكون هذا على إلهامه ليوسف أن يفعل ما فعل هو من كيده سبحانه أيضاً وقد دل على ذلك قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} الأنعام: 83 فإن فيه تنبيهاً على أن العلم الدقيق الموصل إلى المقصود الشرعي صفة مدح كما أن العلم الذي يخصم به المبطل صفة مدح. حيث قال في قصة إبراهيم: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ} الأنعام: 83