First Previous Next Last

يوضح ذلك: أن نفس الأحكام مثل إباحة الفعل لا يجوز أن تسمى كيداً وإنما الكيد فعل من الله ابتداء أو فعل من العبد يكون العبد به فاعلاً وعلى التقديرين فليس هذا من الحيل الشرعية وهذا الذي ذكرناه في معنى الكيد إنما انضم إليه معرفة الأفعال التي فعلها يوسف عليه السلام والأفعال التي فعلها الله له تيقن اللبيب أن الكيد لم يكن خارجاً عن إلهام فعل كان مباحاً أو فعل من الله تم به ذلك الفعل وإن حاجة يوسف لم تبح له فعل شيء كان حراماً على الإطلاق في الجملة قيل ذلك وهذا هو المقصود و الله أعلم.
النوع الثاني: مما ظن المحتالون أنه من الحيل سائر العقود الصحيحة فقالوا: البيع احتيال على حصول الملك والنكاح احتيال على حصول حِلَّ البضع وكذلك سائر ما يتصرف فيه الخلق وهو احتيال على طلب مصالحهم التي أباحها الله لهم وقال قائلهم: الحيلة هي الطريق التي يتوصل بها الإنسان إلى إسقاط المأثم عن نفسه وقال آخر هي ما يمنع الإنسان من ترك أو فعل لولاها كان يلزمه من غير إثم ثم قالوا: وهذا شأن سائر التصرفات المباحة وقالوا: قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعامله على خيبر "بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً" فلما كان مقصوده ابتياع الجنيب بجمع أمره أن يبيع الجمع ثم يبتاع بثمنه جنيباً فعقد العقد الأول ليتوسل به للعقد الثاني. قالوا: وهذه حيلة تضمنت حصول المقصود بعد عقدين فهي أوكد مما تضمنت حصوله بعد عقد واحد وأشبهت العِيْنَة فإنه قصد أن يعطيه دراهم فلم يمكن بعقد واحد فعقد عقدين بأن باع السلعة ثم ابتاعها والحيل المعروفة لا تتم غالباً إلا بأن ينضم إلى العقد الآخر شيء آخر من عقد آخر. أو فسخ أو نحو ذلك والجواب عن هذا: إن تحصيل المقاصد بالطرق المشروعة إليها ليس من جنس الحيل سواء سُمِّىَّ حيلة أو لم يُسَمَّ فليس النزاع في مجرد اللفظ بل الفرق بينهما ثابت من جهة الوسيلة والمقصود الذين هما المحتال به والمحتال عليه وذلك أن البيع مقصوده الذي شرع البيع له أن يحصل ملك الثمن للبائع ويحصل ملك المبيع للمشتري