أو زبيب ليبتاع به من جنسه أكثر منه أو أقل فإنهما غالبا يتشارطان ويتراضيان على سعر أحدهما من الآخر ثم بعد ذلك يقول: بعتك هذه الدراهم بكذا وكذا ديناراً ثم يقول: اصرف لي بها كذا وكذا درهماً لما اتفقا عليه أولاً ويقول: بعتك هذا التمر بكذا وكذا درهماً. ثم يقول: بعني به كذا وكذا تمراً فيكونان قد اتفقا على الثمن المذكور صورة لا حقيقة ليس للبائع غرض في أن يملكه ولا للمشتري غرض أن يملكه وقد تعاقدا على أن يملكه البائع ثم يعيده إلى المشتري والعقد لا يعقد ليفسخ من غير غرض يتعلق بنفس وجوده فإن هذا باطل كما تقدم بيانه فأين من يبيعه بثمن ليشتري به منه إلى من يبيعه بثمن ليأخذ منه.
يوضح هذا أشياء: منها أن الرجل إذا أراد أن يشتري من رجل سلعة بثمن آخر من غير جنسها فإنهما في العرف لا يحتاجان أن يعاقداه على الأول بثمن يميزه ثم يبتاعا به وإنما يقومان السلعتين ليعرفا مقدارهما ولو قال له: بعتها بكذا وكذا. أو: ابتعت منك هذه بهذا الثمن لَعُدَّ هذا لاعباً عابثاً قائلاً ما لا حقيقة له ولا فائدة فيه بخلاف ما لو كان الشراء من غيره فإنه يبيعه بثمن يملكه حقيقة ثم يبتاع به من الأخر فكذلك إذا أراد أن يبتاع منه بالثمن من جنسها كيف يأمره الشارع بشيء ليس فيه فائدة ومنها أنه لو كان هذا مشروعاً لم يكن في تحريم الربا حكمة إلا تضييع الزمان وإتعاب النفس بلا فائدة فإنه لا يشاء أن يبتاع رِبَوِيّاً بأكثر منه من جنسه إلا قال: بعتك هذا بكذا وابتعت منك هذا بهذا الثمن فلا يعجز أحد عن استحلال ربا حرمه الله سبحانه قط فإن الربا في البيع نوعان: ربا الفضل وربا النسيئة فأما ربا الفضل فيمكنه في كل مال ربوي أن يقول بعتك هذا المال بكذا ويسمي ما شاء ثم يقول: ابتعت به هذا المال الذي هو من جنسه وأما ربا النسيئة فيمكنه أن يقول: بعتك هذه الحريرة بألف درهم أو عشرين صاعاً إلى سنة وابتعتها منك بتسعمائة حالة أو خمسة عشر صاعاً أو نحو ذلك ويمكنه ربا القرض فلا يشاء مُرَبٍّ إلا أقرضه ثم حاباه في بيع أو إجارة أو مساقاة أو أهدى له أو نفعه ويحصل مقصودهما من الزيادة في القرض فيا سبحان الله