First Previous Next Last

لأن هذا يبيع بالثمن ثم يعيده إليه ويأخذ به ومثلها في ربا النسأ أن يبيع ربوياً بنسيئة ثم يشتري بثمنه ما لا يُباع به نسيئة وهذه المسألة مما عدها من الربا الفقهاء السبعة وأكثر العلماء مثل مالك وأحمد وغيرها وأظنه مأثور عن ابن عمر وغيره ففي هذين الموضعين قد عاد الثمن إلى المشتري وأفضى إلى ربا الفضل أو ربا النسأ وفي مسائل العينة قد عاد المبيع إلى البائع وأفضى إلى ربا الفضل والنسأ جميعاً.
ثم إن كان في الموضعين لم يقصد الثمن ولا المبيع وإنما جعل وصلة إلى الربا فهذا لا ريب في تحريمه والعقد الأول هنا باطل فلا يوقف فيه عند من يبطل الحيل وكلام أحمد وغيره من العلماء في ذلك كثير وقد صرَّح به القاضي في مسألة العينة في غير موضع وغيره من العلماء وإن كان أبو الخطَّاب وغيرُه قد جعل في صحته وجهين فإن الأول هو الصواب وإنما تردد من تردد من أصحابنا في العقد الأول في مسألة العينة لأن هذه المسألة إنما ينصب الخلاف فيها في العقد الثاني بناء على أن الأول صحيح.
وعلى هذا التقرير فليست من مسائل الحيل وإنما هي من مسائل الذرائع ولها مأخذ آخر يقتضي التحريم عند أبي حنيفة وأصحابه وهو كون الثمن إذا لم يستوف لم يتم العقد الأول فيصير الثاني مبنياً عليه وهذا تعليل خارج عن قاعدة الحيل والذرائع أيضاً فصار لها ثلاثة مآخذ فلما لم يتمحص تحريمها على قاعدة الحيل توقف في العقد الأول من توقف.
والتحقيق أنها إذا كانت من الحيل أعطيت حكم الحيل وإلا اعتبر فيها المأخذان الآخران هذا إذا لم يقصد العقد الأول وإن كان العقد الأول مقصوداً حقيقة فهو صحيح لكن ما دام الثمن في ذمة المشتري لم يجز أن يشتري منه البيع بأقل منه من جنسه ولا يجوز أن يبتاع منه الثمن ربوياً لا يباع بالأول نَسأَ لأن أحكام العقد الأول لا تستوفى إلا بالتقابض فمتى لم يحصل التقابض كان ذريعة إلى الربا وان تقابضا وكان العقد مقصوداً فله أن يشتري منه كما يشتري من غيره. قول النبي لبلال: "بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً" وإذا كان الطريق إلى الحلال هي العقود المقصودة المشروعة التي لا خداع