First Previous Next Last

إذا تبين ذلك: فليس في الحديث أنه أمره أن يبتاع من المشتري ولا أمره أن يبتاع من غيره فالحديث لا يدل لفظه على شيء من ذلك بعينه ولا على جميع ذلك مطابقة ولا تضامناً ولا التزاماً كما لا يدل على بيعه وقبض الثمن أو ترك قبضه وبيعه بثمن المثل أو دون ثمن المثل وبنقد البلد أو غير نقد البلد وبثمن حال أو مؤجل فإن هذه القيود خارجة عن مفهوم اللفظ ولو زعم زاعم أن اللفظ يعم هذا كله كان مبطلاً لكن اللفظ لا يمنع الأجزاء إذا أتى بها وإنما أُسْتُفِيدَ عدم الامتثال إذا بيع بدون ثمن المثل أو بغير نقد البلد أو بثمن مُؤَجَّل والأمر بقبض الثمن من العرف الذي يثبت البيع المطلق وكذلك أيضاً ليس فيه أنه يبيعه من المشتري على أن يشتري بالثمن منه ولا غير ذلك وإنما يستفاد ذلك من دلالة أخرى منفصلة فما أباحتْهُ الشريعةُ جاز فعله وما لا فلا وبهذا يظهر الجواب عن قول من يقول: لو كان الابتياع من المشتري حراماً لنهى عنه فإن مقصوده صلى الله عليه وسلم إنما كان بيان الطريق التي بها يحصل شراء التمر الجيد لمن عنده رديء وهو أن بيع الرديء بثمن ثم يبتاع بالثمن جيداً ولم يتعرض لشروط البيع وموانعه لأن المقصود ذكر الحكم على وجه الجملة. أو لأن المخاطب يفهم البيع الصحيح فلا يحتاج إلى بيان فلا معنى للاحتجاج بهذا الحديث على نفي شرط مخصوص كما لا يحتج به على نفي سائر الشروط وما هذا إلا بمثابة قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} البقرة: 187 فإن المقصود بيان حل الأكل في هذا الوقت فمن احتج به على حد نوع المأكولات أو صفة من صفات الأكل كان مبطلاً إذ لا عموم في اللفظ لذلك كما ذكرناه سواء وليس الغالب أن بائع التمر بدراهم يبتاع بها من المشتري حتى يقال: هذه الصورة غالبة فكان ينبغي التحذير منها كما حذر السلف مثل ذلك في الصرف لأن سعر الدراهم والدنانير في الغالب معروف والغالب أن من يريد أن يبيع نقداً ليشتري نقداً آخر إذا باعه للصيرفي بذهب ابتاع بالذهب منه النقد الآخر ولهذا حذروا منه وأما التمر والبُرُّ ونحوهما من العروض فإن من يقصد بيعه لا يقصد به مشترياً مخصوصًا بل يعرضه على