الوجه الرابع: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة ومتى تواطأ على أن يبيعه بالثمن ثم يبتاع به منه فهو بيعتان في بيعة فلا يكون داخلاً في الحديث. يبين ذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال: "بع الجمع بالدراهم ثم بع بالدراهم جنيباً" وهذا يقتضي بيعاً ينشئه ويبتديه بعد انقضاء البيع الأول ومتى واطأه من أول الأمر على أن أبيعك وأبتاع منك فقد اتفقا على العقدين معاً فلا يكون داخلاً في حديث الأمر بل في حديث النهي ويأتي إن شاء الله تعالى تقرير أن الشروط المؤثرة في العقود لا فرق بين مقارنها ومتقدمها
الوجه الخامس: إنه لو فرض أن في الحديث عموماً لفظياً فهو مخصوص بصور لا تعد ولا تحصى فإن كل بيع فاسد لا يدخلها فيه فيضعف دلالته ويخص منه الصور التي ذكرناها بالأدلة المتقدمة التي هي نصوص في بطلان الحيل وهي من الصور المكثورة فإخراجها من العموم من أسهل الأشياء وانظر قوله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله المحلل والمحلل له" فإنه عام عموماً لفظياً ومعنوياً لم يثبت أنه خص منه شيء ولم يعارضه نص آخر فأيما أول بالتخصيص هو أو قوله: "بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدرهم جنيباً" مع أنه ليس بعام لفظاً ولا معنى بل هو مطلق وقد خرج منه صور كثيرة فتخرج منه هذه الصورة بنصوص وآثار وقياس دل على ذلك أعني صورة الابتياع من المشترى منه فهذه الأقسام السبعة التي قسمناها ما تسمى حيلة إليها إذا تأملها اللبيب علم الفرق بين هذين الآخرين وبين الأقسام الخمسة وقد تضمن هذا التقسيم الدلالة على بطلان الخمسة والفرق بينها وبين الآخرين و الله أعلم
الوجه السادس عشر إن الحيل مع أنها محدثة كما تقدم فإنها أحدثت بالرأي وإنما أحدثها من كان الغالب عليهم اتباع الرأي فما ورد في الحديث والأثر من ذم الرأي وأهله فإنما يتناول الحيل فإنها رأي محض ليس فيه أثر عن الصحابة ولا له نظير من الحيل ثبت بأصل فيقاس عليه بمثله والحكم إذا ثبت بأصل ولا نظير كان رأياً محضاً باطلاً.