يحقق هذا: أنها إنما نشأت ممن كان من المفتين قد غلب بفسق الرأي وتصريفه وكان تلقيهم للأحكام من جهة أغلب من تلقيها من جهة الآثار ثم هذا الرأي لمن تأمله أكثر ما فيه من فساد إنما هو من جهة الحيل التي دققت الدين وجرّأه على اعتداء الحدود واستحلال المحارم وإن كان في هذا الرأي أيضا تشديد ما سهلته السنة وهذا مثل ما روى عبد الله بن عمرو وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا ينزع العلم بعد أن أعطاهموه ولكن ينزعه منهم مع قبض العلماء فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون فيضلون ويضلون" رواه البخاري بهذا اللفظ والحديث مشهور في "الصحيحين" وغيرهما لكن اللفظ المشهور "فافتوا بغير علم" إلى أحاديث أخر مثل حديث يروى عن عيسى بن يونس عن جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نُفَيْر عن أبيه عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تفترق أمتي على بعض وسبعين فرقة أعظمها فئة الذين يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال" - وهذا الحديث مشهور عن نعيم بن حماد المروزي وهو ثقة إمام إلا أنه قد نقل عن ابن معين أنه قال: هذا حديث باطل ليس له أصل شبِّه فيه على نعيم ونقل هذا عن غير ابن معين ومع هذا فقد نقل عن جماعة آخرين عن عيسى بن يونس وبعض الناس يقول: سرقوه من نعيم ولا حجة لمن يقول ذلك في بعض الناس وممن رواه عن عيسى أيضاً سويد بن سعيد وكان أحمد يثني عليه يثني لوالديه عليه ورواه عنه مسلم وغيره وقد أنكر عليه ابن معين بتفرده بحديث ثم وجدوا له أصلاً عند غيره قال أبو أحمد بن عدي: قال جعفر الفريابي: وقفت سويداً على هذا الحديث بعد أن حدثني به ودار بيني وبينه كلام كثير وهذا إنما يعرف بنعيم بن حماد رواه عن عيسى بن يونس فتكلم الناس فيه بجرأة ورواه رجل من أهل خراسان يقال له: الحكم بن المبارك ويقال: إنه لا بأس به ثم سرقه منه قوم ضعفاء. فهذا القدر الذي ذكر لا يوجب تركه قدحاً في الحديث إذا رواه عدة من الثقاة وروته طائفة عن نعيم عن عيسى وطائفة عنه عن ابن المبارك عن عيسى وهذا القدر قد يحتج به من لا يرى الحديث محفوظاً وقد يجيب عنه من يحتج له بأن هذا