من اتقان نعيم فإنه كان قد سمعه من ابن المبارك ثم سمعه من عيسى فرغبته في علو الإسناد بتحمله على الرواية عن عيسى ورغبته في التحمل بابن المبارك تحمله على الرواية عنه وفي الجملة فإسناده في الظاهر جيد إلا أن يكون قد اطلع فيه على علة خفية.
ومعناه شبيه بالواقع فإن فتوى من مفت في الحلال والحرام برأي يخالف السنة أضر عليهم من أهل الأهواء وقد ذكر هذا المعنى الإمام أحمد وغيره فإن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردها واستفاضت وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصة والعامة بخلاف الفتيا فإن أدلتها من السنة قد لا يعرفها إلا الأفراد ولا يميز ضعيفها في الغالب إلا الخاصة وقد ينتصب للفتيا والقضاء ممن يخالفها كثير وقد جاء مثل معناه محفوظاً من حديث المجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود: أنه قال: ليس عام إلا الذي بعده شر منه لا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ولا أمير خير من أمير ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام وينثلم" وهذا الذي في حديث ابن مسعود وهو بعينه الذي في حديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون".
وفي ذم الرأي آثار مشهورة عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وغيرهم وكذلك عن التابعين بعدهم بإحسان فيها بيان أن الأخذ بالرأي يحلل الحرام ويحرم الحلال ومعلوم أن هذه الآثار الذامة للرأي لم يقصد بها اجتهاد الرأي على الأصول من الكتاب والسنة والإجماع في حادثة لم توجد في كتاب ولا سنة ولا إجماع ممن يعرف الأشباه والنظائر وفقه معاني الأحكام فيقيس قياس تشبيه وتمثيل أو قياس تعليل وتأصيل قياساً لم يعارضه ما هو أولى منه فإن أدلة جواز هذا المفتي لغيره والعامل لنفسه ووجوبه على الحاكم والإمام أشهر من أن تذكر هنا وليس في هذا القياس تحليل لما حرمه الله سبحانه ولا تحريم لما حلَّله الله