ومما يبين ذلك أن من أكثر أهل الأمصار قياساً وفقهاً أهل الكوفة حتى كان يقال: فقه كوفي وعبادة بصرية وكان عظم علمهم مأخوذاً عن عمر وعلي وعبد الله بن مسعود -رضي الله عنهم- وكان أصحاب عبد الله وأصحاب عمر وأصحاب علي من العلم والفقه بمكان الذي لا يخفى ثم قد كان أفقههم في زمانه إبراهيم النخعي كان فيهم بمنزلة سعيد بن المسيب في أهل المدينة وكان يقول: إني لأسمع الحديث الواحد فأقيس به مائة حديث ولم يكن يخرج عن قول عبد الله وأصحابه وكان الشعبي أعلم بالآثار منه وأهل المدينة أعلم بالسنة منهم.
وقد يوجد لقدماء الكوفيين أقاويل متعددة فيها مخالفة لسنة لم تبلغهم ولم يكونوا مع ذلك مطعوناً فيهم ولا كانوا مذمومين بل لهم من الإسلام مكان لا يخفى على من علم سيرة السلف وذلك لأن مثل هذا قد وجد لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الإحاطة بالسنة كالمتعذر على الواحد أو النفر من العلماء ومن خالف ما لم يبلغه فهو معذور ولم يكونوا مع هذا يقولون بالحيل ولا يفتون بها بل المشهور عنهم ردها والإنكار لها واعتبر ذلك بمسألة التحليل فإن السنة المشهورة في لعن المحلل والمحلل له وإن كانت قد خرجت من الحرمين ومصر والعراق فإن أشهر حديث فيها مخرجه من أهل الكوفة عن عبد الله بن مسعود وأصحابه وفقيه القوم إبراهيم قد قدمنا عنه أنه كان يقول: إذا نوى أحد الثلاثة التحليل فهو نكاح فاسد الأول والثاني وهذا القول أشد من قول المدنيين فمن يكون هذا قوله هل يمكن أن يعتقد صحة الحيل وجوازها وكذلك أقواهم في الحيل الربوية تدل على قوة رد القوم للحيل فإن حديث عائشة في مسألة العينة مخرجه من عندهم وقولهم فيها معروف وقال إبراهيم في الرجل يقرض الرجل دراهم فيرد عليه أجود من دراهمه: لابأس بذلك ما لم يكن شرط أو نية وكان الأسود بن يزيد إذا خرج عطاؤه دفعه إلى رجل فقال: اذهب فبعه بدنانير ثم بع الدنانير من رجل آخر ولا تبعها من الذي اشتريت منه وقال حماد بن أبي سليمان إذا بعت الدنانير بالدراهم غير مخادعة ولا مدالسة فإن شئت اشتريتها منه.
فهؤلاء سُرُج أهل الكوفة وأئمتهم وهذه أقوالهم ولقد تتبعنا هذا الباب فلم