فكذلك يجب على الثاني أن يسقيه ولم يفعل ولو أنه استرجع الثمن ورد عليه سائر الماء أو ترك له من الثمن مقدار ثمن الشربة التي شربها هو لكان إما أن يأخذ ماء إلا شربة واحدة ويأخذ الثمن كله بصورة يظهر له فيها أنه محسن وقصده ذلك فهذا هو الخلابة البينة.
وبالجملة فباضطرار يعلم أن كثيراً من الحيل أو أكثرها أو عامتها من الخلابة وهي حرام كما تقدم وعن عبد الله بن عمرو قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فنزلنا منزلاً فمنا من يصلح خبأ ومنا من ينتضل ومنا من هو في جشرة إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصلاة جامعة فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنه لم يكن قبلي نبي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم وأن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها وتجيء فتن يرفق بعضها بعضاً تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه فمن أحب أن يزحزح عن النار وبدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليعطه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فأضربوا عنق الآخر" رواه مسلم وغيره. فهذه الوظائف الثلاث التي جمعها في هذا الحديث من قواعد الإسلام وكثيراً ما يذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل قوله في حديث أبي هريرة: "إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاَّه الله أمركم" ومثل قوله في حديث زيد بن ثابت: "ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمور ولزوم جماعة المسلمين" وذلك أن الاجتماع ولائتلاف اللذين في هذين الحديثين لا يتم إلا بالمعنى الذي وصى به في حديث عبد الله بن عمر وهو قوله: "وليأت إلى الناس الذي يجب أن يؤتى إليه" وهذا القدر واجب لأنه قرنه بالإيمان وبالطاعة للإمام في سياق ما ينجي من النار ويوجب الجنة وهذا إنما يقال في الواجبات لأن المستحب لا يتوقف عليه ذلك ولا يستقل بذلك ولهذا غاية