الأحاديث التي يسأل فيها النبي صلى الله عليه وسلم عما يدخل الجنة وينجي من النار إنما يذكر الواجبات وإذا كان كذلك فمعلوم أن المحتال لم يأت إلى الناس ما يجب أن يؤتى إليه بل لو علم أن أحداً يحتال عليه لكرهه أو كره ذلك منه وربما اتخذه عدواً: أعني الكراهة الطبيعية وإن كان قد يحب ذلك من جهة ما له فيه من المثوبة فإن هذه المحبة ليست المحبة المذكورة في الحديث وإلا لكان من أحب إيمانه أنه يؤذي فيصبر على الأذى مأموراً بأن يؤذي الناس وهذا ظاهر ونحو من هذا ما روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يحب لنفسه" متفق عليه.
وبالجملة فالحيل تنافي ما ينبني عليه أمر الدين من التحابب والتناصح والائتلاف والأخوة في الدين ويقتضي التباغض والتقاطع والتدابر هذا في الحيل على الخلق والحيل على الخالق أولى فإن الله -سبحانه وتعالى- أحق أن يستحي منه من الناس و الله سبحانه الموفق لما يحبه ويرضاه.
الوجه التاسع عشر ما أخرجاه في "الصحيحين" عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل نبي الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي إلى أن قال: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإني استعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت لي هلاّ جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتي هديته إن كان صادقاً و الله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة أعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر" - ثم رفع يديه حتى رؤي بياض أبطيه يقول -: "اللهم هل بلغت" فوجه الدلالة أن الهدية هي عطية يبتغي بها وجه المعطي وكرامته فلم ينظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ظاهر الإعطاء قولاً وفعلاً ولكن نظر إلى قصد المعطين ونياتهم التي تعلم بدلالة الحال فإن كان الرجل بحيث لو نزع عن تلك الولاية أهدي