First Previous Next Last

له تلك الهدية لم تكن الولاية هي الداعية للناس إلى عطيته وإلا فالمقصود بالعطية إنما هي ولايته: إما ليكرمهم فيها أو ليخفف عنهم أو يقدمهم على غيرهم أو نحو ذلك مما يقصدون به الانتفاع بولايته أو نفعه لأجل ولايته.
والولاية حق لأهل الصدقات فما أخذ من المال بسببها كان حقا لهم سواء كان واجباً على المعطي أو غير واجب كما لو تبرع أحدهم بزيادة على الواجب قدراً أو صفة وذلك العمل الذي يعمله الساعي صار لأهل الصدقات إما بالجعل الذي يجعل له أو بكونه قد تبرع به لهم فكل ما حصل من المال بسببه فهو لهم.
إذا علم ذلك فنقول: هذه الهدية لم يشترط فيها أن تكون لأهل الصدقات لا شرطاً مقترناً بالعقد ولا متقدماً عليه ومع هذا فلما كانت دلالة الحال تقتضي أن القصد بها ذلك كانت تلك هي الحقيقة التي اعتبرها النبي صلى الله عليه وسلم فكان هذا أصلاً في اعتبار المقاصد ودلالات الحال في العقود فمن أقرض رجلاً ألفاً وباعه ثوباً يساوي درهماً بخمسمائة علم أن تلك الألف إنما أقرضت لأجل تلك الزيادة في ثمن الثوب وإلا فكان الثوب يترك في بيت صاحبه ثم ينظر المقترض أكان يقرض تلك الألف أم لا وكذلك بائعه ليترك القرض ثم ينظر هل يبتاع ثوبه بخمسمائة أم لا فإذا كان هذا إنما زاد في العوض لأجل القرض صار ذلك العوض داخلاً في بدل القرض فصار قد اقترض ألفا بألف وخمسمائة إلا قيمة الثوب هذا حقيقة العقد ومقصوده.
وكذلك من اقترض ألفاً وارتهن بها عقاراً أذن له المقترض في الانتفاع به أو أكراه إياه أو ساقاه أو زارعه عليه بعشر عشر عوض المثل فإنما تبرع له وحاباه في هذه العقود من البيع والإجارة والمساقاة والمزارعة لأجل القرض كما أن أرباب الأموال إنما يهدون للساعي لأجل ولايته عليهم إما ليراعيهم ببدل مال هو لأهل الصدقات أو منفعة قد دخل مع الإمام الذي ولاه على أن تكون لأهل الصدقات ومن ملك المبدل منه ملك مبدوله والعبرة بالمبادلة الحقيقية لا الصورية كما دل عليه النحو ذلك من المقاصد.
وهذا الكلام الحكيم الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم أصل في كل من أخذ شيئاً أو أعطاه تبرعاً لشخص أو معاوضة لشيء في الظاهر وهو في القصد والحقيقة لغيره