First Previous Next Last

أقوى الأدلة على بطلان الحيل عموماً كما أن إبطال الحيل يدل عليه لكن لم نذكره ها هنا في أدلة الحيل لأن القصد أن يستدل ببطلان الحيل على بطلان التحليل بغير أدلة التحليل الخاصة فلو استدللنا هنا على بطلان الحيل بما دل على بطلان التحليل. ثم استدللنا ببطلان الحيل على بطلان التحليل لكان تطويلاً وتكريراً وحشواً و الله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم. معارضة بطلان الحيل بجوازها والرد على ذلك فإن قيل: فهذا الذي ذكرتموه من الأدلة على بطلان الحيل معارض بما يدل على جوازها وهو قوله سبحانه: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ} ص: 44 فقد أذن الله سبحانه لنبيه أيوب -عليه السلام- أن يتحلل من يمينه بالضرب بالضغت وقد كان في ظاهر الأمر عليه أن يضرب ضربات متفرقة وهذا نوع من الحيلة فنحن نقيس سائر الباب على هذا. قلنا: أولاً: ليس هذا مما نحن فيه فإن الفقهاء في موجب هذه اليمين في شرعنا عند الإطلاق على قولين:
أحدهما: قول من يقول: موجبها الضرب مجموعاً أو مفرقاً ثم منهم من يشترط مع الجمع الوصول إلى المضروب فعلى هذا تكون هذه الفتيا موجب هذا اللفظ عند الإطلاق وليس هذا بحيلة إنما الحيلة أن يصرف اللفظ عن موجبه عند الإطلاق.
والثاني: إن موجبه الضرب المفرق فإذا كان هذا موجب شرعنا لم يصح الاحتجاج علينا بما يخالف شرعنا بخلافه
وقلنا: ثانياً: من تأمل الآية علم أن هذه الفتيا خاصة الحكم فإنها لو كانت عامة في حق كل أحد لم يخفف على نبي كريم موجب يمينه يكن في اقتصاصها علينا كبير عبرة فإنما يقص ما خرج عن نظائره ليعتبر به أما ما كان مقتضي العبارة والقياس فلا يقص ولأنه قد قال عقيب هذه الفتيا {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً} ص: 44 وهذه الجملة خرجت مخرج التعليل كما في نظائره فعلم أن الله إنما أفتاه بهذا جزاء له على صبره تخفيفاً عنه ورحمة به لأن هذا هو موجب هذه اليمين.