وقلنا: ثالثاً: معلوم أن الله سبحانه إنما أفتاه بهذا لئلا يحنث كما أخبر الله سبحانه وكما قد نقل أهل التفسير أنه كان قد حلف لئن شفاه الله سبحانه ليضربنها مائة سوط لما تمثل لها الشيطان وأمرها بنوع من الشرك لم تفطن له لتأمر به أيوب.
وهذا يدل على أن كفارة الأَيمان لم تكن مشروعة في تلك الشريعة بل ليس في اليمين إلا البر أو الحنث كما هو في النذر نذر التبرر في شريعتنا وكما قالت عائشة -رضي الله عنها- كان أبو بكر لا يحنث في يمينه حتى أنزل الله كفارة اليمين فعلم أنها لم تكن مشروعة في أول الإسلام وإذا كان كذلك فصار كأنه قد نذر ضربها وهو نذر لا يجب الوفاء به لما فيه من الضرر عليها ولا يغبن عنه كفارة يمين لأن تكفير النذر فرع تكفير اليمين فإذا لم يكن هذا مشروعاً فذاك أولى والواجب بالنذر يحتذي به حذو الواجب بالشرع فإذا كان الضرر الواجب بالشرع في الحد يجب تفريقه إذا كان المضروب صحيحاً ويضرب بعثكول النخل ونحوه إذا كان مريضاً ميؤوساً منه عند الجماعة. أومريضاً على الإطلاق عند بعضهم كما جاءت بذلك السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز أن يقام الواجب بالنذر مقام ذلك.
وقد كانت امرأة أيوب امرأة ضعيفة وكريمة على ربها فخفف عنها الواجب بالنذر بجمع الضربات كما يخفف عن المريض ونحوه.
ألا ترى أن السنة قد جاءت فيمن نذر الصدقة بجميع ماله أنه يجزيه الثلث أقام في النذر الثلث مقام الجميع كما أقيم مقامه في الوصية وغيرها لما في إخراج الجميع من الضرر وجاءت السنة فيمن نذرت الحج ماشية أن تركب وتهدي إقامة لترك بعض الواجب بالنذر مقام ترك بعض الواجب بالشرع من المناسك وأفتى ابن عباس وغيره فيمن نذر ذبح ابنه بشاة إقامة لذبح الشاة مقام ذبح الابن كما شرع ذلك للخليل -عليه السلام- وأفتى أيضاً فيمن نذر أن يطوف على أربع بأن يطوف أسبوعين إقامة لأحد الأسبوعين مقام طواف اليدين وهذا كثير فكانت قصة أيوب - و الله أعلم - من هذا الباب.
وغير مستكثر في واجبات الشريعة أن يخفف الله الشيء عند المشقة بفعل ما يشبهه من بعض الوجوه كما في الإبدال وغيرها لكن مثل هذا لا يحتاج إليه في شريعتنا. لأن رجلاً لو حلف أن يضرب أمرأته أمكنه أن يكفر يمينه من غير احتياج إلى تخفيف الضرب ولو نذر ذلك فأقصى ما عليه كفارة يمين عند الإمام أحمد وغيره ممن يقول بكفارة اليمين في نذر المعصية والمباح أو يقال: لا شيء عليه بالكلية وهذا معنى حسن لمن تأمله