First Previous Next Last

ومما يوضح ذلك أن المطلق من كلام الآدميين محمول على ما فسر به المطلق من كلام الشارع خصوصاً في الأَيمان فإن الرجوع فيها إلى عرف الخطاب شرعاً أو عادة أولى من الرجوع فيها إلى موجب اللفظ في أصل اللغة ثم إن الله سبحانه لما قال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} النور 2: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} النور 4 فهم المسلمون من ذلك أن الزاني والقاذف إذا كان صحيحاً لم يجز ضربه إلا مفرقاً وإن كان مريضاً ميؤوساً من برئه ضرب بعثكول النخل ونحوه وإن كان مرجو البرء فهل يؤخر إقامة الحد عليه أو يقام على الخلاف المشهور. فكيف يقال أن الحالف: ليضربن يكون موجب يمينه الضرب المجموع مع صحة المضروب وجلده هذا خلاف القاعدة فعلم أن قصة أيوب كان فيها معنى يوجب جواز الجمع وإن كان ذلك ليس موجب الإطلاق وهو المقصود وإنما ذكرنا هذا المختصر لأن عمدة المحتالين ما تأولوا عليه هذه الآية ولا يخفى فساد تأويلهم لمن تأمل.
فإن قيل: فقد روى أبو سعيد الخدري قال: جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "من أين هذا" فقال بلال: كان عندنا تمر ردئ فبعت منه صاعين بصاع ليطعم النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم - عند ذلك -: "أوه عين الربا. لاتفعل ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر بيع آخر ثم اشتر به" متفق عليه وفي رواية البخاري عن أبي سعيد وأبي هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلاً على خيبر فأتاه بتمر جنيب فقال له: "أكلُّ تمر خيبر هكذا" قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة فقال: "لا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً" وقال في الميزان مثل ذلك وفي رواية لمسلم عن أبي سعيد: "بعه بسلعة ثم ابتع بسلعتك أي التمر شئت" فقد أمره أن يبيع التمر بالدراهم ثم يبتاع بالدراهم تمرا أقل منه ولكنه أطيب وإن كان بيع التمر بالتمر متفاضلاً لا يجوز وهذا ضرب من الحيلة.
قلنا: ليس هذا من الحيلة المحرمة في شيء وقد استوفينا الكلام على الفرق بين