علانيتهم ولم نؤمر أن ننقب عن قلوبهم ولا نشق بطونهم فمتى رأينا عقد بيع أو نكاح أو خلع أو هبة حكمنا بصحته بناء على الظاهر و الله يتولى سرائرهم. قلنا: الجواب من وجهين:
أحدهما: إن الخلق أمروا أن يقبل بعضهم من بعض ما يظهره دون الالتفاف إلى باطن لا سبيل إلى معرفته وأما معاملة العبد ربه فإن مبناها على المقاصد والنيات والسرائر وانما الأعمال بالنيات فمن أظهر قولاً سديداً ولم يكن قد قصد له حقيقته كان آثماً عاصياً لربه وإن قبل الناس منه الظاهر. كالمنافق الذي يقبل المسلمون منه علانيته وهو عند الله في الدرك الإسفل من النار فكذلك هؤلاء المخادعون بعقود ظاهرها حسن وباطنها قبيح هم منافقون بذلك فهم آثمون عاصون فيما بينهم وبين الله وإن كانت الأحكام الدنيوية إنما تجري على الظاهر ونحن قصدنا أن نبين أن الحيلة محرمة عند الله وفيما بين العبد وبين ربه وإن كان الناس لا يعلمون أن صاحبها فعل محرماً وهذا بيّن.
الثاتي: إنا إنما نقبل من الرجل ظاهره وعلانيته إذا لم يظهر لنا أن باطنه مخالف لظاهره فأما إذا أظهر ذلك رتبنا الحكم على ذلك فكنا حاكمين أيضا بالظاهر الدال على الباطن لا بمجرد الباطن فإنا إذا رأينا تيساً من التيوس معروفا بكثرة التحليل وهو من سقاط الناس ديناً وخلقاً ودنيا قد زوج فتاة الحي التي ينتخب لها الأكفاء بصداق أقل من ثلاثة دراهم أو بصداق يبلغ ألوفاً مؤلفة لا يصدق مثلها قريباً منه ثم عجل لها بالطلاق أو بالخلع وربما انضم إلى ذلك استعطاف قلبه والإحسان إليه علم قطعاً وجود التحليل ومن شك في ذلك فهو مصاب في عقله وكذلك مثل هذا في البيع وغيره وأقل ما يجب على من تبين له ذلك أن لا يعين عليه وأن يعظ فاعله وينهاه عن التحلل ويستفسره عن جلية الحال.
فإن قيل: الاحتيال سعي في استحلال الشيء بطريق مباح وهذا جائز فإن البيع احتيال على حل البيع والنكاح احتيال على البِضع وهكذا جميع الأسباب فإنها حيل على حل ما كان حراماً قبلها وهذا جائز. نعم من احتال عنى تناول الحرام بغير سبب مبيح فهذا هو الحرام بلا ريب ونحن إنما