قيل: قد تقدم الجواب عن هذا مستوفى لما ذكرنا أقسام الحيل في الوجه الخامس عشر وذكرنا أن هذا مِثْلُ قياس الذين قالوا: إنما البيع متل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا وذلك أن الله سبحانه جعل بعض الأسباب طريقاً إلى ملك الأموال والأبضاع وغير ذلك. كما جعل البيع طريقاً إلى ملك المال والنكاح طريقاً إلى ملك البضع ومن أراد أن يستبيح الشيء بطريقه الذي شرع له لم يكن محتالاً فليس هذا من الحيلة في شيء وإنما الحيلة أن يباشر السبب لا يقصد به ما جعل ذلك السبب له وإنما يقصد به استحلال أمر آخر لم يشرع ذلك السبب له من غير قصد منه للسبب المبيح لذلك الأمر الآخر إما بأن لا يكون إلى حل ذلك المحرم طريق أو لا يكون الطريق مما يمكنه قصده بوجه من الوجوه. كمن يريد استحلال معنى الربا بصور القرض والبيع وإعادة المرأة إلى المطلق بالتحليل وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" فأين من قصد بالعقود استحلال ما جعلت العقود موجبة له إلى من لا يقصد مقصود العقود ولا له رغبة في موجبها ومقتضاها وإنما يريد أن يأتي بصورها ليستحل ما حرمه الله من الأشياء التي لم يأذن الله في قصد استحلالها وقد تقدم إيضاح هذا في ذكر أقسام الحيل.
الطريق الثاني: إبطال التحليل في النكاح
( فصل ) وأما الطريق الثاني في إبطال التحليل في النكاح فهو الدلالة على عين المسألة وذلك من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والقياس الواجب عند تساوي الدلالة الابتداء بالكتاب ولكن لكون دلالة السنة أبين إبتدأنا بها وفي هذا الطريق مسالك:
المسلك الأول: ما رواه سفيان الثوري عن ابن قيس الأودي عن هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والموشومة والواصلة والموصولة والمحلل والمحلل له وآكل الربا وموكله" رواه أحمد والنسائي وروى الترمذي منه: لعن المحلل والمحلل له وقال: حديث حسن صحيح والعمل عليه عند أهل العلم مثل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم