فإنه لا يمكن نسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يظن بأحد من علماء المسلمين أن يقصد هذا لا سيما الصحابة لا سيما الخلفاء الراشدون وإنما يظن ذلك في الصحابة أهل الجهل والضلال: كالرافضة والخوارج الذين يكفِّرون بعض الخلفاء أو يفسقونه ولو قدر أن أحداً فعل ذلك لم يقره المسلمون على ذلك فإن هذا إقرار على أعظم المنكرات والأمة معصومة أن تجتمع على مثل ذلك وقد نقل عن طائفة: كعيسى ابن أبان وغيره من أهل الكلام والرأي من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة ومالك: أن الإجماع ينسخ به نصوص الكتاب والسنة وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم أن الإجماع يدل على نص ناسخ فوجدنا من ذكر عنهم أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخاً فإن كانوا أرادوا ذلك فهذا قول يجوِّز تبديل المسلمين دينهم بعد نبيهم كما تقول النصارى من: أن المسيح سوغ لعلمائهم أن يحرموا ما رأوا تحريمه مصلحة ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة وليس هذا دين المسلمين ولا كان الصحابة يسوغون ذلك لأنفسهم ومن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك فإنه يستتاب كما يستتاب أمثاله. ولكن يجوز أن يجتهد الحاكم والمفتي فيصيب فيكون له أجران ويخطئ فيكون له أجر واحد وما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم شرعاً معلقاً بسبب إنما يكون مشروعاً عند وجود السبب: كإعطاء المؤلفة قلوبهم فإنه ثابت بالكتاب والسنة وبعض الناس ظن أن هذا نسخ لما روي عن عمر أنه ذكر أن الله أغنى عن التألف فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر وهذا الظن غلط ولكن عمر استغنى في زمنه عن إعطاء المؤلفة قلوبهم فترك ذلك لعدم الحاجة إليه لا لنسخه كما لو فرض أنه عدم في بعض الأوقات ابن السبيل والغارم ونحو ذلك. ومتعة الحج قد روي عن عمر أنه نهى عنها وكان ابنه عبد الله بن عمر وغيره يقولون: لم يحرمها وإنما قصد أن يأمر الناس بالأفضل وهو أن يعتمر أحدهم من دويرة أهله في غير أشهر الحج فإن هذه العمرة أفضل من عمرة التمتع والقارن باتفاق الأئمة حتى إن مذهب أبي حنيفة وأحمد منصوص عنه: أنه إذا اعتمر في غير أشهر الحج وأفردَ الحج في أشهره: فهذا أفضل من مجرد التمتع والقران مع قولهما