وكان الغالب على أهل العراق في حدود المائة الرابعة قبلها وبعدها إلى قريب من المائة الخامسة إلزام المستدل بطرِد علته في مناظراتهم ومصنفاتهم وأما أهل خراسان فلا يلزمونه بذلك بل يلزمونه تبيان تأثير العلة ويجيزون النقض بالفرق وهذا هو الذي غلب على العراقيين بعد المائة الخامسة وتجد الكتب المصنفة لأصحابنا وغيرهم في الخلاف بحسب اصطلاح زمانهم ومكانهم فلما كان العراقيون في زمن القاضي أبي يعلى والقاضي عبد الوهاب من مصر وأبي إسحق الشيرازي ونحوهم يوجبون الإطراد غلب على أقيستهم تحرير العبارات وضبط القياسات المطردات ويستفاد منها القواعد الكليات لكن تبدد الذهن عن نكتة المسألة يحوج المتكلم أو المستمع إلى أن يشتغل بما لا يعنيه في تلك المسألة عما يعنيه ولهذا كانوا يُكلفون بأن يأتي بقياس مطرد ولا يظهر خروج وصفه عن جنس العلل الشرعية وإن لم يُقِمْ دليلاً على أن ذلك الوصف علة للحكم وربما غلا بعضهم في الطرديات ولما كان العراقيون المتأخرون لا يلزمون هذا فتحوا على نفوسهم سؤال المطالبة بتأثير الوصف وطوائف من متقدمي الخراسانيين فيستفاد من طريقهم الكلام في المناسبات والتأثيرات بحسب ما أحاطوا به من العلم أثراً ورأياً وهذا أشد على المستدل من حيث احتياجه إلى إقامة الدليل على تأثير الوصف والأول أشد عليه من حيث احتياجه إلى الاحتراز عن النقض ولهذا سمى بعضهم الأولين أصحاب الطرد وسمى الآخرين أصحاب التأثير وليس المراد بكونهم أصحاب الطرد أنهم يكتفون بمجرد الوصف المطرد الذي لا يظهر فيه اقتضاء للحكم ولا دلالة عليه ولا إشعار به فإن هذا يبطله جماهيرهم ولم يكن يقول به ويستعمله إلا شِرْذِمة من الطاردين وفي كل واحدة من الطريقتين ما يقبل ويرد.
ولا يمكن هنا تفصيل القول في ذلك لكن الراجح في الجملة قول من يخصص العلة لفوات شرط أو لوجود مانع فإن ملاحظته أقرب إلى المعقول وأشبه بالمنقول وعلى ذلك تصرفات الصحابة والسلف من أئمة الفقهاء وغيرهم ولهذا رجع القاضي أبو يعلى فى آخر عمره إلى ذلك وذكر أن أكثر كلام أحمد يدل عليه وهو كما قال وغيره يقول: إنه مذهب الأئمة الأربعة.
ولا شك أن من تأمل مناظرتهم علم أنهم كانوا يخصُّون التعليل بوجود المانع