First Previous Next Last

في قولهم أنه يكون الشيء حراماً في الباطن وإن لم يثبت مقتضى التحريم في حق من لم يبلغه للعذر فإن التخلف هنا لفوات شرط ولا يقدح في كونه الفعل مقتضياً للعقاب في الجملة ولهذا لما كان أكثر عقول الفقهاء بل أكثر عقول الناس بل عامة العقول التي لم يكدر صفاها رهج الجدل ويرى صحة كون الشيء بصفة الاقتضاء وإن كان معوقاً عن عمله صاروا في عامة ما يفعلونه ويقولونه ينتهجون مناهج القائلين بتخصيص العلة لمانع إذ هذا ثابت في كل ما يتكلم فيه الآدميون وإن كانوا قد يكونون ممن خالف في ذلك إذا جردوا الأصول فلهذا كان الغالب على الناس من الفقهاء وغيرهم من يقبل عقله كون الشيء حراماً في الباطن لكن انتفاء حكم التحريم في حق هذا المعين لفوات شرط العقاب أو لوجود مانع فيه وهذا قوي إذ قيل أن الحل والحرمة قد تكون لمعان في الأفعال تناسب الحكم ويقتضيه وأن العلل الشرعية ليست مجرد علامات وإمارات كما قد يجيب به في المضايق من أصحابنا وغيرهم من يزعم أنه ينصر السنة أنه يرد الأحكام إلى محض المشيئة.
فإن من تأمل دلالة الكتاب والسنة وإجماع السابقين على توجيه الأحكام بالأوصاف المناسبة والنعوت الملائمة. بل دخل مع الأئمة فيما يشهده بنظائرها من الحكم الباهرة المنظومة في الأحكام الظاهرة والمصالح الدينية والدنيوية التي جاءت بها هذه الشريعة الحنيفية التي قد أربى نورها على الشمس إضاءة وإشراقاً وعلى إحكامها على الفلك انتظاماً واتساقاً ثم نازع بعد هذا في أن الأسباب والعلل فيها اقتضاء وملاءمة ورأى ما في الدليل الصرف فهو أحد رجلين: إما معاند يقول بلسانه ما ليس في قلبه وما أكثر السفسطة من بني آدم عموماً ومن المناظرين في العلم خصوصاً في جزئيات المقدمات وإن كانوا مجمعين أو كالمجمعين على فسادها في الأنواع الكليات وإما ذاهل جاهل بحقيقة ما يقوله من أن العلل مجرد إمارات مصرفات لم يجمع بين معنى هذا القول وبين ما هو دائماً يراه ويقوله في الأحكام الشرعية.
وإنما قلنا: أن هذا القول قوي إذا رأينا ما في الأفعال المحرمة من المفاسد لأن المفسدة ثابتة في أكثر الأفعال وإن لم يَدْرِ الفاعل ألا ترى من شرب الخمر قبل أن يعلم التحريم فإن فسادها من زوال العقل وتوابعه ثابت في حقه وإن لم يعلم، نعم