والمسألة وإن كان قد يظن أنها مستمدة من مسألة ما لا يتم الواجب إلا به هل يوصف بالوجوب فنفي الوجوب عن إحداهما هنا ليس كنفي الوجوب عن الزيادة. لأن سبب الوجوب هنا عدم علمه وسببه هناك عجزه وعدم العلم إنما يؤثر في الأحكام ظاهراً لا باطناً عند عامة الناس. بخلاف العجز فإنه يؤثر فيها باطناً وظاهراً ومن استقرأ أحكام الشريعة استبان له هذا.
وحقيقة الأمر أن المتناول لأحدهما يعاقب على المخاطرة والعمل بالجهل بالمقتضي للعقوبة به معنى فيه لا معنى في المحل بخلاف المتناول للميتة فإنه يعاقب لمعنى في الميتة وليست العقوبة والأحكام على ذلك الجنس مثل هذا فإنه لو خاطر ووطىء من لا يظنها زوجته وكانت إياها لم يُحَد وإن أَثم وكذلك من شرب ما يعتقده خمراً فلم يمكنه لم يُحَد وإن كان اثماً وكذلك من حكم بجهل فصادف الحق هل يبتدىء الحكم في تلك القضية أو ينفذ حكمه للأصحاب فيه وجهان مع الاتفاق على تأثيمه ومن باع واشترى قابضاً مقبضاً لا يعلم أنه مالك ولا وكيل ثم تبين أنه وارث أو وكيل هل يصح تصرفه على وجهين مع كونه كان آثماً ولو فعله الوكيل بعد العزل قبل أن يعلم به لم يأثم وفي صحة التصرف روايتان وقولان مشهوران للناس وكذا على قياس هذا لو عقد على المشتبهة ثم تبين أنها الأجنبيه أو المذكي هل يصح العقد على الوجهين إذ لجهل بالمحلية كالجهل بالأهلية.
فإن قلتَ: أنتم تختارون فيما كان محرماً ولم يعلم المكلف تحريمه: أنه عفو في حقه لا مباح ظاهراً ولا باطناً فكيف تقولون فيمن اعتقد تحريمه ولم يكن حراماً إنه حرام ظاهراً أو حرام مطلقاً.
قلت: لأنه ما حرمه الله تحريماً مطلقاً لايباح إلا إذا وجد سبب حله وجهل المكلف لا يكون سبباً للحل بل غايته أنه سبب للعذر وأما ما أحله الله حلاً مطلقاً فقد تعرض له أسباب تحريمه وجهل المكلف قد يكون سببا للتحريم فإنه مناسب له من جهة أن عدم العلم بانتفاء الضرر لذي انعقد بسببه أو خيف وجوده مناسب للمنع من الإقدام شرعاً وعقلاً وعرفاً فإن المريض يمنع ما يخاف ضرره ومن جهة