أن الجهل وصف نقص فترتب التحريم عليه ملائم أما ترتب الحل عليه فغير ملائم ألا ترى أن المعصية تكون سبباً لشرع التحريم كما دل عليه قوله {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} النساء: 160 ويكون سبباً للابتلاء بوجود المحرم والحاجة إليه كما دل عليه قصة أصحاب السبت ولا تكون المعصية سبباً للحل مع أني قد بينت أني إذا قلت: حرمنا عليك فمعناه حَرُم عليك المخاطرة والإقدام بلا علم لا أن نفس العين محرمة في الحقيقة كما لو اشتبه على المريض الداء بالدواء فإن أهله يمنعونه منهما لا لأنهما داءان مضران بل لما في المخاطرة من مفسدة مواقعة الضرر وهذا الوصف يشمل العينين جميعاً بحيث لو خاطر وتناول إحداهما فكانت هي المحرمة لكان عليه إلا عقوبة المخاطرة وعقوبة آكل الميتة لو خاطر فصادفت مخاطرته المباحة لما كان عليه إلا عقوبة المخاطرة فقط. لكن قد يقال: إذا صادف الميتة فإن حرمة المخاطرة خشية أن يقع في الميتة فإذا صادف الميتة فهو المحذور فلا يبقى للمخاطرة حكم إذ لا حكم للخوف بعد حصول المخوف.
ويمكن أن يقال: بل هما ذنبان لهما مفسدتان فإن المخاطرة تفتح جنسان من الشر لا تختص هذه القضية وبالجملة فإنما يحسن إطلاق الإنكار بأن المحرم أحدهما ممن يقول: كل مجتهد مصيب بناء على ما قدمته من الشبهة الضعيفة التي تنحل بفهم ما ذكرناه وغيره من جهة أنه ليس يعتقد في الباطن حكماً غير الظاهر ولكن من وافقه في هذا الإنكار من الموحدين للصواب من أصحابنا وغيرهم لم يهتدوا لباطن مأخذه الذي يبطل حقيقة قولهم وإنما أنكروا كون المحرمة واحدة باطناً وظاهراً فهذا قريب لأنها محرمه من وجهين ولا يتسع هذا المقام لأكثر من هذا وتلخيص الفرق بين من يقول: أن التحريم ليس ثابتاً لا باطناً ولا ظاهراً وبين من يثبته باطناً وأن أولئك الأقلين يقولون: البلاغ شرط في التحريم الذي هو سبب الذم والعقاب وغيرهما من الأمور فعدمه ينفي نفس التحريم والأكثرين يقولون: البلاغ شرط في موجب التحريم ومقتضاه لا في نفسه فعدمه ينفي أثره لا عينه ويسمى نظيرَ الأول: مانع السبب ونظير الثاني: مانع الحكم بمنزلة السهم المفرق تارة ينكر في نفسه وتارة لا يصادف غرضاً يخرقه. أو يكون الغرض مصفحاً بحديد.
وإذا تبين قول الجمهور الذين يثبتون التحليل والتحريم باطناً لا ظاهراً أو ظاهراً