First Previous Next Last

فإذا قال صاحب هذا الاعتقاد المعين: بأن هذا طهور أتى من الشارع مأموراً به أو ليس بمأمور به ولا بد من أحد الأمرين. قلنا: أما في الظاهر فعليك أن تفعله وأنت مأمور به أيضاً. بناء على أن مالم يتم الواجب إلا به فهو واجب وأما في الباطن فقد لا يكون مأموراً به فإن قال: أنا مكلف بالباطن. قلنا: إن أردت بالتكليف أنك تذم وتعاقب على مخالفة الباطن فلست بمكلف به وإن أردت أن ما في الباطن هو المطلوب منك وتركه يقتضي ذمك وعقابك ولكن انتفاء مقتضاه لوجود عذرك وهو عدم العلم فنعم أنت مكلف به وعاد الأمر إلى ما ذكرناه من انتفاء اللوم لانتفاء شرطه لا لعدم مقتضيه وإن الخلاف يعود إلى اعتبار عقلي وإطلاق لفظي فيجوز أن ذلك الماء النجس الذي ليس عنده إلا هو وهو لايعلم بنجاسته ليس مأموراً به في الحقيقة لوجهين:
 أحدهما: أنه لا يتأدى به الواجب في الباطن فلا يكون واجبا في الباطن.
الثاني: أنه وإن تأدى به فوجوب التعين من باب وجوب ما لا يتم الواجب إلا به ولوازم الواجب ومقدماته ليست في الحقيقة واجبة وجوباً شرعياً مقصوداً للأمر فإن الأمر لا يطلبها ولا يقصدها بحال وقد لا يشعر بها إذا كان من المخلوقين والمأمور لا يعاقب على تركها فإنما يعاقب على ترك صوم النهار لا على ترك إمساك طرفيه ومن كان بينه وبين مكة مسافة بعيدة فإنه يعاقب على ترك الحج كما يعاقب ذو المسافة القريبة أو أقل ولا يعاقب أكثر بناء على أنه ترك قطع تلك المسافة البعيدة التي هي أكثر بناء على أن الواجب عليه أكثر. نعم يثاب أكثر وقد يثاب ثواب الواجب لكن الوجوب العقلي الضروري فينبغي أن يفرق بين الوجوب الشرعي الأمري القصدي وبين الوجوب العقلي الوجودي القدري فإن المسببات يجب وجودها عند وجود أسبابها بمعنى أن الله يحدثها حينئذٍ ويشاء وجودها لا بمعنى أنه أمر بها شرعاً وديناً ولا ينازع أحد في أن الأمر بالأسباب الموجبة كالقتل. ليس أمراً بمسبباتها الذي هو الإزهاق وكذلك الأسباب لا بد منها في وجود المسببات بمعنى أن الله لا يحدث المسببات ويشاءها إلا بوجود الأسباب لا بمعنى أن الله أمر بالأسباب شرعاً وديناً فما لا يتم الواجب إلا به مما هو سابق له