بأحدهما لأن تراجيح الأدلة أو استنباطها عند خفائها هو محل اجتهاد المجتهدين ثم أنه لم يحكم بخطأ من ذهب إلى أحد النصين مع قوله: أن الحق عند الله واحد وعند خفاء الأدلة قال: لا أدري أصاب الحق أم أخطأ وهذا تحقيق عظيم لأن النص دليل قطعاً لكن عند معارضة الآخر له هل سلبت دلالته أم لم تسلب هذا محل تردد فإن اعتقد رجحانه اعتقد بقاء دلالته فقد تمسك بما هو دليل لم يثبت سلب دلالته فصار إن كان الحق في القول الآخر. كالتمسك بالنص الذي نسخ ولم يعلم نسخه فلا يحكم على مخالفه بالخطأ. كما لا يحكم لنفسه بإصابة الحق الذي عند الله.
وأما إذا لم يكن نصاً وقد اجتهد فقد يكون ما اعتمده من الإستنباط بالرأي تأويلاً وقياساً ليس بدليل فلا ندري أنه أصاب كالمتمسك بدليل أم لم يصب من كلامه أنه في الباطن ليس المصيب إلا واحد وأما في الظاهر فلا تحكم بالخطأ لمن تمسك بدليل صحيح ولا نحكم بالصواب لمن لا نعلم أنه تمسك بدليل صحيح وهذا التفصيل خير من إطلاق بعض أصحابنا وغيرهم الخطأ في الحكم مطلقاً وإطلاق بعضهم الإصابة في الحكم مطلقاً وأعلم أن أحمد لم يقل إنه مصيب في الحكم بل قال: لا يقال إنه مخطىء لعدم العلم بأنه مخطىء ولأن ذلك يوهم أنه مخطىء في استدلاله وقد اختلف الناس من أصحابنا وغيرهم في المجتهد المخطىء هل يعطى أجراً واحداً على اجتهاده واستدلاله أو على مجرد قصده الحكم.
وأصل هذا الاختلاف أنه هل يمكن أن يكون الاستدلال صحيحاً ولا يصيب الحق وما قدمناه يبين لك أنه تارة يكون مخطئاً في اجتهاده وتارة لا يكون مخطئاً في اجتهاده بل دليله يكون مخطئاً لا خلافهُ فيثاب تارة على الأمرين وتارة على أحدهما: كذلك يكون الحق سواء فيكون تحقيقه الأمر على ما قدمناه: إن المجتهد إن استدل بدليل صحيح وكان مخالفاً فهو مأمور بأن يتبعه واتباعه له صواب واعتقاد موجبه في هذه الحال لازم من اتباعه وهو لم يؤمر بهذا اللازم لكنه لازم من المأمور به ويعود الأمر إلى ما لا يتم الواجب إلا به هل هو مأمور به أمراً شرعياً أو عقلياً ويعود أيضاً إلى أنه مأمور بذلك في الظاهر دون الباطن وهذا كله إنما يتوجه في الواجب إذا تعين وأما ما وجب مطلقاً وينادى بأعيان متعددة أو أبيح فالقول في إباحته كالقول في إيجاب هذا سواء