صورته صوره النكاح الصحيح وهذا يبين أنه إنما قصد باللعنة من أسر التحليل ثم يكون هذا تنبيهاً على من أظهره فإن قيل: فقد لعن آكل الربا وموكله ولعن بائع الخمر ومبتاعها. قيل: البيع لا يفتقر إلى إشهاد وإعلان فتقع هذه العقود من غير ظهور بين المسلمين كما تقع الفاحشة والسرقة ولهذا لعن الشاهدين إذا علما أنه ربا فإنهما قد يستشهدان على دين مؤجل ولا يشعران أنه ربا ولا يتم مقصود المربى غالباً إلا بالإشهاد على الدين ولهذا لم يذكر في بيع الخمر الشاهدين لأن بيعها لا يكون غالباً إلى أجل. حقق هذا أنه لم يلعن من عقد بيعاً محرماً إلا في الخمر والربا لأن شاهدي النوعين هما اللذان يقع فيهما الاحتيال والتأويل بأن يبيع الرجل عصيره لمن يتخذه خمراً متأولاً أني لم أبع الخمر وبأن يربي بصورة البيع متأولاً أني بائع لا مرب وهما اللذان يقع الشر فيهما أكثر من غيرهما فظهر أنه صلى الله عليه وسلم إنما لعن العقود ثلاثة أصناف صنف التحليل وصنف الربا وصنف الخمر وهذه الثلاثة هي التي تقدم البيان بأن سيكون في هذه الأمة من يستحلها بالتأويل الفاسد وتسميتها بغير أسمائها فخصها باللعنة لأن أصحابها غير عارفين بأنها معاص ولأن معصيتهم تبطل غالباً فلا تتمكن الأمة من تغييرها ولأن هذه المعاصي يجتمع فيها الداعي الطبيعي إلى المال والوطء والشرب مع تزيين الشيطان أنها ليست بحرام فيكون ذلك سبباً لكثرتها ولأنه قد علم صلى الله عليه وسلم أنه سيكون من يفعلها فتقدم بلعنته زجراً عن ذلك بخلاف بيع الميتة ونكاح الأم ونحو ذلك من المحرمات وهذا كله إذا تأمله اللبيب علم أنه قصد لعنة من أبطن التحليل وإن كان من أظهره يدخل في ذلك بطريق التنبيه وبطريق العموم.
الوجه الخامس: إن التحليل أكثر ما يكون برغبة من الزوج المطلِّق ثلاثاً فحينئذ فإما أن يسر ذلك إلى المحلل أو يشرطه عليه ثم يعقد النكاح مطلقاً وكذلك إن كان باتفاق من المرأة فالاشتراط في العقد نادر جداً لا سيما اللفظ الذي يعتبره هذا السائل وهو أن يقول: زوجتك إلى أن تحلها أو على أنك إذا وطئتها فلا نكاح بينكما أو على أنك إذا وطئتها طلقتها فإن العقد بمثل هذا اللفظ إما نادر أو معدوم في جميع الأزمان واللفظ العام الشامل لصور كثيرة تعم بها البلوى لا يجوز قصره على الصور