First Previous Next Last

ولهذا لما لم يكن في شرع من قبلنا كفارة بل كانت اليمين توجب عليهم فعل المحلوف عليه أمر الله أيوب أن يأخذه بيده ضغثاً فيضرب به ولا يحنث لأنه لم يكن في شرعه كفارة يمين ولو كان في شرعه كفارة يمين كان ذلك أيسر عليه من ضرب امرأته ولو بضغث فإن أيوب كان قد رد الله عليه أهله ومثلهم معهم لكن لما كان ما يوجبونه باليمين بمنزلة ما يجب بالشرع كانت اليمين عندهم كالنذر والواجب بالشرع قد يرخص فيه عند الحاجة كما يرخص في الجلد الواجب في الحد إذا كان المضروب لا يحتمل التفريق. بخلاف ما التزمه الانسان بيمينه في شرعنا فإنه لا يلزم بالشرع فليزمه ما التزمه وله مخرج من ذلك في شرعنا بالكفارة ولكن بعض علمائنا لما ظنوا أن من الأَيمان ما لا مخرج لصاحبه منه بل يلزمه ما التزمه فظنوا أن شرعنا في هذا الموضع كشرع بني إسرائيل احتاجوا إلى الاحتيال في الأَيمان: إما في لفظ اليمين وإما بخلع اليمين وإما بدور الطلاق وإما يجعل النكاح فاسداً فلا يقع فيه الطلاق وإن غلبوا عن هذا كله دخلوا في التحليل وذلك لعدم العلم بما بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم في هذا الموضع من الحنيفية السمحة وما وضع الله به من الآصار والأغلال كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الأعراف: 156-157. وصار ما شرعه النبي صلى الله عليه وسلم لأمته هو الحق في نفس الأمر وما أحدث غيره غايته أن يكون بمنزلة شرع من قبله مع شرعه وإن كان الذين قالوه باجتهادهم لهم سعي مشكور وعمل مبرور وهم مأجورون على ذلك مثابون عليه فإنه كلما كان من مسائل النزاع التي تنازعت فيه الأمة فأصوب القولين فيه ما وافق كتاب الله وسنة رسوله: من أصاب هذا القول فله أجران ومن لم يؤده