First Previous Next Last

من أبي العاص قال: "حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي" ومعلوم أنه إنما قال هذا مدحاً لمن فعله وذماً لمن تركه وإلا لم يكن حجة لما قرنه به والوعد في العقود إنما يتقدمها لا يقارنها فعلم أن من وفى به كان ممدوحاً ومن لم يف به كان مذموماً معيباً وهذا شأن الواجب.
وفي حديث السيرة المشهور أن الأنصار لما بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة: قالوا: يا رسول الله ! اشترط لربك واشترط لنفسك واشترط لأصحابك! فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أزركم واشترط لأصحابي أن تواسوهم" فقالوا: إذا فعلنا ذلك فما لنا قال: "الجنة" قالوا: مد يدك فو الله لا نقيلك ولا نستقيلك فبايعوه.
أفلا ترى كيف تقدم الشرط العقد ولم يحتج حين المبايعة أن يتكلم بالشروط المتقدمة ولو كانوا قد تكلموا بها فإنهم سموا ما قبل العقد اشتراطاً فيدخل في مسمى الشرط الذي دل الكتاب والسنة على وجوب الوفاء به وهذا المحلل يقال له: شرطنا عليك أنك إذا وطئتها فطلقها ويعقد العقد بعد ذلك وأيضاً لو وصف المبيع أو الثمن المعين بصفات عند التساوم ثم بعد ذلك بزمان تعاقداً كان العقد مبنياً على ما تقدم بينهما من الصفة حتى إذا ظهر المبيع ناقصاً عن تلك الصفة كان له الفسخ ولولا أن الصفة المتقدمة كالمقارنة لما وجب ذلك وكذلك لو رآه ثم تعاقدا بعد ذلك بزمن لا يفتر في مثله غالباً ولولا أن الرؤية المتقدمة كالمقارنة لما لزم البيع وبعض الناس يخالف في الصفة المتقدمة وأما الرؤية المتقدمة فلا أعلم فيها مخالفاً ولا فرق بين الموضعين بل الواصف إلى الفرقة أقرب وأيضاً فإن من دخل مع رجل في عقد على صفات تشارطوا عليها وعقدوا العقد ثم نكث به فلا ريب أنه قد خدعه ومكر به فإن الخداع أن يظهر له شيئاً ويبطن خلافه والمكر قريب من ذلك وهذا مما تسميه الناس خديعة ومكراً.
والأصل بقاء اللغة وتقريرها لا زوالها وتغييرها والخديعة والمكر حرام في النار كما دل عليه الكتاب والسنة وأيضا فإن العقود في الحقيقة إنما تثبت على رضى