First Previous Next Last

المتعاقدين وإنما كلامهما دليل على رضاهما كما نبه عليه قوله سبحانه: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} النساء: 29 ولما كانت البيوع تقع غالباً قبل الاختيار والاستكشاف شرع فيها الخيار إلى التفرق بالأبدان ليتم الرضى بذلك واكتفى في النكاح بما هو الغالب من تقدم الخطبة على العقد لاستعلام حال الزوجين وإذا تشارطا على أمر يتعاقدان عليه ثم تعاقدا فمن المعلوم: أن كلاً منهما إنما رضي بالعقد المشروط فيه الشرط الذي تشارطا عليه أولاً ومن ادعى أن أحدهما رضي بعقد مطلق خال عن شرط كان بطلان قوله معلوماً بالاضطرار وإذا كانا إنما رضيا بالعقد الذي تشارطا عليه قبل عقده وملاك العقود هو الرضى ووجب أن يكون العقد ما رضيا به لا سيما في النكاح الذى سبق شرطه عقده وليس بعد عقده خيار يستدرك فيه الفائت ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" متفق عليه.
وهذا بيِّنٌ لا خفاء فيه وأيضاً فإن العقود في الحقيقة إنما هي بالقلوب وإنما العبارات مبينات لما في القلوب لا سيما إن قيل: هي إخبارات وبيانها لما في القلب لا يختلف بجمع الكلام في وقت أو يفرقه في وقتين لا سيما الكلام الكثير الذي قد يتعذر ذكره في التعاقد وهذا هو الواقع في خطاب جميع الخلق بل في أفصح الخطاب وأبلغه فإن مَن مَهَّدَ قاعدة بيّن بها مراده فإنه يطلق الكلام ويرسله وإنما يريد به ذلك المقيد الذي تقدم والمستمع يفهم ذلك منه ويحمل كلامه عليه كالعالم يقول مثلا: يجوز للرجل أن يوصي بثلث ماله فلا يدخل في كلامه المجنون ونحوه للعلم بأنه قد قرر في موضع آخر أن المجنون لا حكم له في الشرع فكذلك الرجل يقول: بعت وأنكحت فإن هذا اللفظ وإن كان مُطْلَقاً في اللفظ فهو مقيد بما تشارطا عليه قبل ومعنى كلامه: بعتك البيع الذي تشارطنا وأنكحتك النكاح الذي تراضينا به فمن جعل كلامه مطلقاً بعد أن تقدم منه المشارطة والمواطأة فقد خرج عن مقتضى قواعد خطاب الخلق وكلامهم في جميع إيجابهم ومقاصدهم وهذا واضح لا معنى للإطناب فيه