لكنهم لم يجزموا بأنه أراد التحليل بل ظنوه ظناً والظن أكذب الحديث ثم لو لم تكن الإرادة مؤثرة في العقد لقال النبي صلى الله عليه وسلم: وإذا أراد تحليلها أي: إنكار في هذا كما لو قالوا: تزوجها يريد أن يستمتع بها أو: يريد أنها أعجبته إن أمسكها وإن كرهها فارقها أو: نكحها يريد أن تربي أولاده كما قال جابر -رضي الله عنه- ونحو ذلك من المقاصد التي لا تُحَب فإن جواب هذا أنه كان يقول: وإذا فعل هذا فأي منكر في هذا فلما لم يقل ذاك علم أن ذاك مؤثراً لكن إنما أنكر عليهم قولهم ولا نراه إلا يريد أن يحلها لزوجها قال: الأصل في أقوال المسلمين وأعمالهم الصحة فلا يظن بهم خلاف ذلك إلا لأمارة ظاهرة ولم يذكروا ما يدل على ذلك ثم لو ظننا ذلك فإنا لم نُؤْمَرْ أن ننقب عن قلوب الناس ولا نشق بطونهم كما أنه لما كان يستأذن في قتل بعض من يظن به النفاق يقول: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" فيقولون: نعم فيقول "أليس يصلي" فيقولون: نعم فيقول: "أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم". كذلك إذا رأينا عقداً معقوداً بشرائطه المعتبره لم يكن لنا أن نقول: هذا باطل لأن صاحبه أراد كذا وكذا. لكن يقال على العموم: من أراد التحليل فهو ملعون ونكاحه باطل فإذا ظهر أنه قصد ذلك رتب عليه حكمه في الظاهر وأما قول المنازع: إنه لم يبحث عن نية الرجل فنقول: قد كان تقدم منه صلى الله عليه وسلم لعنه المحلل والمحلل له والنهي عن الخداع وفهموا مقصوده بذلك فلم يجب عليه بعد هذا أن يقول: لكل من تزوج مطلقة غيره إن كنت نويت كما أنه لما بين سوء حال المنافقين لم يجب عليه كلما أسلم رجل أن يقول له: هل أنت مؤمن أو منافق وصاحب العقد لم يظهر لهم أنه أراد الإحلال وإنما ظنوه ظناً بل لما فهموا من النبي صلى الله عليه وسلم أن مريد الإحلال مخادع وظنوا بذلك الرجل أنه أراده من غير دلالة أنكروا عليه فأنكر عليهم هذا إن كان لذلك أصل ثم إنه صلى الله عليه وسلم ذكر أمارات تدل على عدم الخداع وهو المهر وما معه ولأن المحلل يأخذ في العادة ولا يعطي وإلا فتسمية المهر ليست شرطاً في صحة النكاح حتى يترتب عدم الخداع عليها فلما ذكرت دل ذلك على أنه يستدل بها على انتفاء الخداع فصار سوء الظن ممنوعاً منه وبالجملة فالحديث لا أصل له ولو كان له أصل فهو إلى أن يكون حجة