الوجه الخامس: إنا إنما أمرنا أن نحكم بالظاهر و الله -عز وجل- يتولى السرائر فهذه خلاصة ما قيل في هذه
المسألة أنه كلام يخيل لمن لا فقه له حقيقة لكان الإضراب عنه أولى فإنه كلام مبناه على دعاوى محضة لم يعضد بحجة فنقول في الجواب: لا نسلم أن هذا تصرف شرعي ولا نسلم وجود الإيجاب والقبول وذلك لأن الإيجاب والقبول إن عنى به مجرد اللفظ فيجب أن يقيد حكمه وإن صدر عن معتوه أو مكره أو نائم أو أعجمي لا يفقهه وإن عنى به اللفظ المقصود لم يخرج عن المكره لأنه قصد اللفظ أيضاً ثم لا نسلم إن هذا بمجرد تصرف شرعي ولا إيجاب ولا قبول بل اللفظ المراد به خلاف معناه مكر وخداع وتدليس ونفاق فإن كان من الألفاظ الشرعية فالتكلم به بدون معناه استهزاء بآيات الله سبحانه وتلاعب بحدوده ومخادعة الله ورسوله كما تقدم تقريره وإن عنى بالسبب للفظ الذي يقصد به معناه الذي وضع اللفظ له في الشرع سواء كان المعنى اللغوي مقرراً أو مغيراً أو عنى به اللفظ الذي لم يقصد به ما يخالف معناه أو اللفظ الذي قصد معناه حقيقة أو حكماً وذكرنا هذين ليدخل فيهما الهازل فهذا صحيح لكن هذا حجة لنا لأن المحلل إذا قال: تزوجت فلانة وهو لا يقصد إلا أن يطلقها ليحلها فلم يقصد بلفظ التزوج المعنى الذي جعل له في الشرع لأننا نعلم أن هذا اللفظ لم يقع في الشرع ولا في العرف ولا في اللغة لمن قصده: رد المطلقة إلى زوجها وليس له قصد في النكاح الذي هو النكاح ولا في شيء من توابعه حقيقة ولا حكماً فإن النكاح مقصوده الاستمتاع والصِلة والعِشرة والصُحبة بل هو أعلى درجات الصحبة فمن ليس قصده أن يصحب ولا يستمتع ولا أن يواصل ويعاشر بل أن يفارق لتعود إلى غيره فهو كاذب في قوله: تزوجت بإظهاره خلاف ما في قلبه وإنما هو بمنزلة من قال لرجل: وكلتك أو شاركتك أو ضاربتك أو ساقيتك وهو يقصد رفع هذا العقد وفسخه ليس له غرض في شيء من مقاصد هذه العقود فإنه كاذب في هذا القول بمنزلة قول المنافقين: نشهد أنك لرسول الله وقولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين فإن هذه الصيغ إخبارات عما في النفس من المعاني التي هي أصل العقود ومبدأ الكلام والحقيقة التي بها يصير اللفظ قولاً ثم إنها إنما تتم قولاً وكلاماً