ذلك التصرف في المصحف الموهوب ونظير إسلام سيد العبد فإنا إنما منعنا من ثبوت يد الكافر على المصحف والمسلم لمقارنته اعتقاد الكفر له كما إنا منعنا من ثبوت يد المصر على ما يستعين به على المعصية لمقارنة اعتقاد المعصية له.
وليس غرضنا هنا الكلام في هذا وإنما الغرض بيان منع هذه الأحكام ونظيره من النكاح أن يتزوج امرأة ليطأها في الدبر أو ليكريها لزنا ونحو ذلك فهذا مثل اشتراء العصير ليتخذه خمراً وبيع الأمة ليكرهها على البغاء فلا يجوز للولي تزويجها ممن يعلم أن هذا قصده ولا يصح النكاح حتى قد نص أصحابنا ومنهم أبو علي بن أبي موسى على أنه لو تزوجها نكاحاً صحيحاً ثم وطئها في الدبر فإنه ينهى عن ذلك فإن لم ينته فرق بينهما وهذا جيد فإن هذا الفعل حرام فمتى توافق الزوجان عليه أو أكرهها عليه ولم يمكن منعه إلا بالتفريق بينهما تعين التفريق طريقاً لإزالة هذا المنكر. وقد زعم بعض أهل الجدل المصنفين في خلاف الفقهاء لما ذكر عن الإمام أحمد: أنه لا يجوز ولا ينعقد بيع العصير ممن يتخذه خمراً قال: لا أظنه ينتهي إلى حد يقوى ولا يجوز بيع العبد ممن يتلوط ولا بيع الأمة ولا تزويج المرأة ممن يطأها في الموضع المكروه ثم قال: ولا خلاف أنه يجوز بيع الأخشاب لمن يعمل آلات الملاهي وهذا الذي قاله هذا المجادل كله جهل وغلط وتخليط فإن الحكم في هذه المسائل كلها واحد وقد نص أصحاب الإمام أحمد على أنه لا يجوز بيع الأمرد ممن يعلم أنه يفسق به ولا بيع المغنية ممن يعلم أنه يتصرف فيها بما لا يحل ونص الإمام أحمد على أنه لا يجوز بيع الآنية من الأقداح ونحوها ممن لا يعلم أنه يشرب فيها المسكر ولا بيع المشمومات من الرياحين ونحوها ممن يعلم أنه يشرب عليها وكذلك مذهبه في بيع الخشب ممن يتخذها آلات اللهو وسائر هذا الباب جار عنده على القياس حتى أنه قد نص أيضاً على أنه لا يجوز بيع العنب والعصير والدادي ونحو ذلك ممن يستعين على النبيذ المحرم المختلف فيه فإن الرجل لا يجوز له أن يعين أحداً على معصية الله وإن كان المعان لا يعتقدها معصية كإعانة الكافرين على الخمر والخنزير وجاء مثل قوله في هذا الأصل عن غير واحد من الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم.