الإرادة والرغبة لم تتحد بإعراض عبد الرحمن عنها فإن إعراض عبد الرحمن عنها أكثر ما يوجب إرادتها للنكاح ممن كان أما من هذا الرجل بعينه فإنما ذاك لسبب يختص به وهذا لم يحدث بعد النكاح بسبب يقتضيه فعلم أنه كان متقدماً لأن الأصل عدم ما يحدث ثم هذه المحبة منها له إنما سببها معرفتها به حال النكاح وإلا فبعد الطلاق ليس هناك ما يوجب المحبة نعم قد يهيج الشوق عند المنع منه لكن ذلك مستند إلى محبة متقدمة ولا يقال: تزوجت بغيره لعلها تسلوا فلما لم يعفها هاج الحب لأنه لو كان كذلك لتزوجت بآخر وآخر لعله يعفها وتسلا به فلما لم تتزوج إلا بعبد الرحمن علم أنها كانت مريدة لأن يحللها للأول عسى أن ترجع إليه ولم تتزوج بغيره خشية أن يمسكها بالكلية ولا يكون فيه سبب تطلب به فراقه.
الوجه الثالث: إنه قد روي أنها استفتت النبي صلى الله عليه وسلم أيضا قبل الطلاق فروى البخاري عن عكرمة عن مولى ابن عباس أن رفاعة طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير فأتت عائشة وعليها خمار أخضر فشكت إليها خضرة بجلدها فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والنساء ينصر بعضهن بعضاً قالت عائشة: ما رأيت ما تلقى المؤمنات كجلدها أشد خضرة من ثوبها قال: وسمع أنها قد أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء ومعه ابنان من غيرها فقالت: و الله ما لي إليه من ذنب إلا أن ما به ليس بأغنى عني من هذه هدبة من ثوبها فقال: كذبت و الله يا رسول الله إني لأنفضها نفض الأديم ولكنها ناشز تريد رفاعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن كان ذلك لم تحلين له ولم تصلحين له حتى يذوق عسيلتك" قال: وأبصر معه ابنين له فقال: "أبنوك هؤلاء" قال: نعم قال: "هذا الذي تزعمين فو الله لهم أشبه به من الغراب بالغراب" قال أبو بكر البرقاني: هكذا رواه البخاري مرسلاً عن بندار وكذلك رواه حماد بن زيد ووهب عن أيوب مرسلاً وقد أسنده سويد بن سعيد عن عبد الوهاب الثقفي فقال فيه: عن ابن عباس: أن رفاعة طلق امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير وذكر الحديث وقد رواه الإمام أحمد في "المسند" بإسناد جيد عن عبد الله بن العباس.