First Previous Next Last

فإذا كانت المرأة لا تريد استيفاء الصداق ولا فرض النفقة وهي طيبة النفس بالخدمة المعتادة وإنما تجشم ذلك لتضيق على الزوج ليطلقها فإلجاؤه إلى الطلاق غير جائز لأنه إلجاء إلى فعل ما لا يجب عليه ولا يستحب له وهو يضره وهي آثمة بهذا الفعل إذا كان ممسكاً لها بالمعروف وإنما الذي تستحقه بالشرع المطالبة لأحد أمرين إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان أما إذا قصدت التسريح فقط وإنما تطالبه بموجبات العقد لتضطره بعسرها عليه إلى التسريح فهذه ليست طالبة أحد الأمرين وإنما هي طالبة واحداً بعينه وهي لا تملك ذلك شرعاً فهذه المرتبة تلحق بالتي بعدها كما قدمنا نظائر ذلك في أقسام الحيل لكن هذا الفعل إنما حرم بالقصد وهذا أمر لا يمكن الحكم عليه ظاهراً بخلاف الذي بعده ولا فرق بين أن يكون التحريم لجنس الفعل أو لقصد يقترن بالفعل ولا يقال: فقد يباح لها الإختلاع إذا كانت تخاف أن لا تقيم حدود الله معه فكذلك يباح لها الاستقصاء في الحقوق حتى تفارق لأنا نقول: الاختلاع يتضمن تعويضه عن الطلاق برد الصداق إليه أو رد ما يرضى به وهو شبيه بالإقالة في البيع وهذه تلجئه إلى الطلاق من غير عوض فليست بمنزلة المختلعة وإذا كانت لا تستحق أن يطلقها بغيرعوض وفي ذلك عليه ضرر فإذا قصدت إيقاع هذا الضرر به بفعل هو مباح أو خلا عن هذا القصد دخلت في قوله صلى الله عليه وسلم: "من ضار ضار الله به ومن شق شق الله عليه" وهوحديث حسن وهذا ليس مختصاً بحقوق النكاح بل هو عام في كل من قصد إضرارغيره بشيء هومباح في نفسه.
بقي أن يقال: فهي لا تقصد إضراره وإنما تقصد نفع نفسها بالخلاص منه فيقال: الشارع لم يجعل هذه المنفعة بيدها ولوكان انتفاعها بالخلاص حقاً لها لملكها الشارع ذلك وحيث احتاجت إليه أمرها أن تفتدي منه كافتداء العبد والأسير ألا ترى أن العبد لا يحل له أن يقصد مضارة سيده ليعتقه إذا لم يكن السيد متسببا إليه ثم إن كانت نوت هذا حين العقد فقد دخلت على ما تضاره به مع غناها عنه فإنه ليس لها أن تتوصل إلى بعض أغراضها التي لا تجب لها بما فيه ضرر على غيرها فكيف إذا قصدت أن تحل لنفسها ما حرم الله عليها بإضرار الغير فهذا الضرب قريب مما ذكر بعده وإن كان بينهما فرق.