السلف ولا يستقيم أمر الناس في معايشهم إلا به وكل من سرع في تحريم ما يعتقده غرراً فإنه لا بد أن يضطر إلى إجازة ما حرمه الله فإما أن يخرج عن مذهبه الذي يقلده في هذه المسألة وأما أن يحتال وقد رأينا الناس وبلغتنا أخبارهم فما علمنا أحد التزم مذهبه في تحريم هذه المسائل ولا يمكنه ذلك ونحن نعلم قطعاً أن مفسدة التحريم لا تزول بالحيلة التي يذكرونها فمن المحال أن يحرم الشارع علينا أمراً نحن محتاجون إليه ثم لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها وإنما هي من جنس اللعب ولقد تأملت أغلب ما وقع الناس في الحيل فوجدته أحد شيئين أما ذنوب جوزوا عليها تضييقاً في أمورهم ولم يستطيعوا دفعه إلا بالحيل فلم يزدهم الحيل إلا بلاء كما جرى لأصحاب السبت من اليهود كما قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} النساء: 160 وهذا ذنب عملي وأما مبالغة في التشديد لما اعتبروه من تحريم الشارع فاضطرهم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل وهذا من خطأ الاجتهاد وإلا فمن اتقى الله وأخذ ما أحل له وأدى ما وجب عليه فإنه لا يحوجه إلى الحيل المبتدعة أبداً فإنه سبحانه لم يجعل علينا في الدين من حرج وإنما بعث نبينا بالحنفية السمحة فالسبب الأول هو الظلم والثاني عدم العلم والظلم والجهل هو وصف الإنسان المذكور في قوله تعالى: {وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} الأحزاب: 72 وأصل هذا وإن الله سبحانه وتعالى إنما حرم علينا المحرمات من الأعيان كالدم والميتة ولحم الخنزير أو من التصرفات كالميسر والربا الذي يدخل فيه بيوع الغرر لما في ذلك من المفاسد التي نبه الله عليها ورسوله بقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ} المائدة: 91 فأخبر سبحانه أن الميسر يوقع العداوة والبغضاء سواء كان ميسراً بالمال أو باللعب فإن المطالبة بلا فائدة وأخذ المال بلا حق يوقع في النفوس ذلك. وكذلك روى فقيه المدينة من الصحابة زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار فإذا جد الناس وحضر