وأبو حنيفة يفرق بينهما بأن المستأجر لم يملك المنفعة وإن المشتري لم يملك الإبقاء وهذا الفرق لا يقول به الشافعي وسنذكر أصله فلما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تبايعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة" وفي لفظ لمسلم عنه: "نهى عن بيع النخل حتى تزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة" نهى البائع والمشتري وفي "سنن أبي داود" عن أبي هريرة: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع النخل حتى يحرز من كل عارض" فمعلوم أن العلة ليست كونه كان معدوماً فإنه بعد بدو صلاحه وأمنه العاهة يريد أجزاء لم تكن موجودة وقت العقد وليس المقصود الأمن من العاهات النادرة فإن هذا لا سبيل إليه إذ قد يصيبها ما ذكره الله عن أهل الجنة الذين: {أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلا يَسْتَثْنُونَ} القلم: 1718 وما ذكره في سورة يونس في قوله: {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} يونس: 24 وإنما المقصود ذهاب العاهة التي يتكرر وردها وهذه إنما تصيبه قبل اشتداد الحب وقبل ظهور النضج في الثمر إذ العاهة بعد ذلك نادرة بالنسبة إلى ما قبله ولأنه لو منع بيعه بعد هذه الغاية لم يكن له وقت يجوز بيعه إلى حين كمال الصلاح وبيع الثمر على الشجر بعد كمال صلاحه متعذر لأنه لا يكمل جملة واحدة وإيجاب قطعة على مالكه فيه ضرر ومرتب على ضرر الغرر فتبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم مصلحة جواز البيع الذي يحتاج إليه على مفسدة الغرر اليسير كما تقتضيه أصول الحكمة التي بعث بها صلى الله عليه وسلم وعلمها أمته ومن طرد القياس الذي انعقد في نفسه غير ناظر إلى ما يعارض عليه من المانع الراجح أفسد كثيراً من أمر الدين وضاق عليه عقله ودينه وأيضاً ففي "صحيح مسلم" عن أبي رافع: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استلف من رجل بَكْراً فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بَكْره فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً فقال: "إعطه إياه فإن خير الناس أحسنهم قضاء" ففي هذا دليل على جواز افتراض ما سوى المكيل والموزون من الحيوان