First Previous Next Last
الوجه الثاني: أن هذه من جنس المضاربة فإنها عين تنمو بالعمل عليها فجاز العمل عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير والمضاربة جوّزها الفقهاء كلهم اتباعاً لما جاء فيها عن الصحابة رضي الله عنهم مع أنه لا يحفظ فيها بعينها سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولقد كان أحمد يرى أن يقيس المضاربة على المساقاة والمزارعة لثبوتها بالنص فيجعل أصلاً يقاس عليه وإن خالف فيهما من خالف وقياس كل منهما على الآخر صحيح فإن من يثبت عنده جواز أحدهما أمكنه أن يقبل منه حكم الآخر لتساويهما فإن قيل الربح في المضاربة ليس من غير الأصل بل الأصل يذهب ويجيء بدله فالمال المقسم حصل بنفس العمل بخلاف الثمر والزرع فإنه من نفس الأصل قيل هذا الفرق فرق في الصورة ليس له تأثير شرعي فإنا نعلم بالإضطرار أن المال المستفاد إنما حصل بمجموع بدن العامل ومنفعة رأس المال ولهذا يرد إلى رب المال مثل رأس ماله ويقتسمان الربح كما أن العامل بقي بنفسه التي هي نظير الدراهم وليست إضافة الربح إلى عمل بدن هذا بأولى من إضافته إلى منفعة مال هذا ولهذا فالمضاربة التي يروونها عن عمر -رَضيَ الله ُ عنهُ- إنما حصلت بغير عقد لما أقرض أبو موسى الأشعري لابني عمر من مال بيت المال فحملاه إلى أبيهما فطلب عمر جميع الربح لأنه رأى ذلك كالغصب حيث أقرضهما ولم يقرض المسلمين والمال مشترك وأحد الشركاء إذا اتجر في المال المشترك بدون إذن الآخر فهو كالغاصب في نصيب الشريك وقال له ابنه عبد الله: الضمان كان علينا فيكون الربح لنا فأشار عليه بعض الصحابة أن يجعله مضاربة. وهذه الأقوال الثلاثة في هذه المسألة موجودة بين الفقهاء وهي ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره هل يكون الربح فيمن اتجر بمال غيره بغير إذنه لرب المال أو للعامل أولهما ثلاثة أقوال وأحسنها وأقيسها أن يكون مشتركاً بينهما كما قضى به عمر رضي الله عنه لأن النماء يتولد عن الأصلين وإذا كان أصل المضاربة الذي اعتمدوا عليه وعواقبه ما ذكرناه من الشركة فأخذ مثل الدراهم يجري مجرى عينها ولهذا سمى النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعده القرض منيحة يقال: منيحة ورق وتقول الناس: أَعْرني دراهمك يجعلون رد مثل هذا الدراهم كرد عين العارية والمقترض انتفع فيها وردها وسموا المضاربة قراضاً لأنها في المقابلات نظير القرض