يتناولها النهي ولا ذكرها رافع وغيره فيما يجوز من الكراء لأنها و الله أعلم عندهم جنس آخر غير الكراء المعتاد فإن الكراء اسم لما وجبت فيه أجرة معلومة إما عين وأما دين فإن كان ديناً في الذمة مضموناً فهو جائز وكذلك إن كان عيناً من غير الزرع أما إن كان عيناً من الزرع لم يجز فأما المزارعة بجزء شائع من جميع الزرع فليس هو الكراء المطلق بل هو شركة محضة إذ ليس جعل العامل مكثر بالأرض بجزء من الزرع بأولى من جعل المالك مكترياً للعامل بالجزء الآخر وإن كان من الناس من يسمي هذا اكراء أيضاً فإنما هو كراء بالمعنى العام الذي تقدم مثاله فأما الكراء الخاص الذي تكلم به رافع وغيره فلا ولهذا السبب بيّن رافع أحد نوعي الكراء الجائز وبين الكراء الآخر الذي نهو عنه ولم يتعرض للشركة لأنها جنس آخر بقي أن يقال قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه وإلا فليمسكها" أمر إذا لم يفعل واحداً من الزرع والمنيحة أن يمسكها وذلك يقتضي المنع من المؤاجرة ومن المزارعة كما تقدم فيقال: الأمر بهذا أمر ندب واستحباب لا أمر إيجاب في الابتداء لينزجروا عما اعتادوه من الكراء الفاسد وهذا كما أنه صلى الله عليه وسلم لما نهاهم عن لحوم الحمر فقال: "اهريقوا ما فيها واكثرها وقال صلى الله عليه وسلم في آنية أهل الكتاب الذين سأله عنهم أبو ثعلبة: "إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها وإن لم تجدوا غيرها فارخصوها بالماء" وذلك لأن النفوس إذا اعتادت المعصية فقد لا تنفطم عنها انفطاماً جيداً إلا بترك ما يقاربها من المباح كما قيل: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال كما أنها أحياناً لا تترك المعصية إلا بتدريج لا بتركها جملة فهذا يقع تارة وهذا يقع تارة ولهذا يوجد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم لمن خشي منه النفرة عن الطاعة الرخصة في أشياء يستغني بها عن المحرم ولمن وثق بإيمانه وصبره النهي عن بعض ما يستحب له تركه مبالغة في فعل الأفضل ولهذا يستحب لمن وثق بإيمانه وصبره من فعل المستحبات البدنية والمالية كالخروج عن جميع ماله مثل أبي بكر الصديق -رَضيَ الله ُ عنهُ- ما لا يستحب لمن لم يكن حاله كذلك كالرجل الذي جاءه ببيضة من ذهب