محرم فقال سبحانه في آية الربا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} البقرة: 278 فأمرهم بترك ما بقي لهم من الربا في الذمم ولم يأمرهم برد ما قبضوه بعقد الربا بل مفهوم الآية الذي اتفق العمل عليه يوجب أنه غير منهى عنه وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم أسقط عام حجة الوداع الربا الذي في الذمم ولم يأمرهم برد المقبوص وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيما قسم في الجاهلية فهو على ما قسم وأيما قسم أدركه الإسلام فهو قسم الإسلام" وأقر الناس على أنكحتهم التي عقدوها في الجاهلية ولم يستفصل أحداً هل عقد به في عدة أو غير عدة بولي أو بغير ولي بشهود أو بغير شهود ولم يأمر أحداً بتجديد نكاح ولا بفراق امرأة إلا أن يكون السبب المحرم موجوداً حين الإسلام كما أمر غيلان بن سلمة الثقفي الذي أسلم وتحته عشر نسوة أن يمسك أربعة ويفارق سائرهن كما أمر فيروز الديلمي الذي أسلم وتحته أختان أن يختار إحداهما ويفارق الأخرى وكما أمر الصحابة من أسلم من المجوس أن يفارقوا ذوات المحارم ولهذا اتفق المسلمون على أن العقود التي عقدها الكفار يحكم بصحتها بعد الإسلام إذ لم تكن محرمة على المسلمين وإن كان الكفار لم يعقدوها بإذن شرعي ولو كانت العقود عندهم كالعبادات لا تصح إلا بشرع لحكموا بفسادها أو بفساد ما لم يكن أهله مستمسكون فيه بشرع فإن قيل: فقد اتفق فقهاء الحديث وأهل الحجاز على أنها إذا عقدت على وجه محرم في الإسلام ثم أسلموا بعد زواله مضت ولم يؤمروا باستئنافها لأن الإسلام يَجبُّ ما قبله وليس ما عقدوه بغير شرع بدون ما عقدوه مع تحريم الشرع وكلاهما عندكم سواء قلنا: ليس كذلك بل ما عقدوه مع التحريم إنما يحكم بصحته إذا اتصل به القبض وأما إذا أسلموا قبل التقابض فسخ بخلاف ما عقدوه بغير شرع فإنه لا يفسخ لا قبل القبض ولا بعده ولم أر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم اشترطوا في النكاح القبض بل سووا بين الإسلام قبل الدخول وبعده لأن نفس عقد النكاح يوجب أحكاماً بنفسه وإن لم يتصل به القبض من المصاهرة ونحوها كما أن نفس الوطء يوجب أحكاماً وإن كان بغير نكاح فلما كان كل واحد من العقود والوطء مقصوداً في نفسه وإن لم يقترن بالآخر أقرهم الشارع على ذلك