والغضب بالاتفاق كما لو قال: و الله لأطلقنك أو لأعتق عبيدي وإنما الفرق بين وجود العتق ووجوبه هو الذي اعتمده المفرقون وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى وأيضاً فإن الله قال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} التحريم: 1 وذلك يقتضي أنه ما من تحريم لما أحل الله إلا و الله غفور رحيم لفاعله رحيم به وإنه لا علة تقتضي ثبوت ذلك التحريم لأن قوله لأي شيء استفهام في معنى النفي والإنكار والتقدير لا سبب لتحريمك ما أحل الله لك و الله غفور رحيم فلو كان الحالف بالنذور والعتاق والطلاق على أنه لا يفعل شيئاً لا رخصة له لكان هنا سبب يقتضي تحريم الحلال ولا يبقى موجب المغفرة والرحمة على هذا الفاعل وأيضاً قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} المائدة: 87 إلى قوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} المائدة: 89 والحجة منها كالحجة من الأولى وأقوى علم فإنه قال: {لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} وهذا لتحريمها بالأيمان من الطلاق وغيرها ثم بين وجه المخرج من ذلك بقوله: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} المائدة: 89 أي: فكفارته تعقيدكم أو عقدكم الأيمان وهذا عام ثم قال: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} المائدة: 89 وهذا عام كعموم قوله: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} المائدة: 89 مما يوضح عمومه أنهم قد أدخلوا الحلف بالطلاق في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: "من حلف فقال: إن شاء الله فإن شاء فعل وإن شاء ترك" فأدخلوا فيه الحلف بالطلاق والعتاق والنذر والحلف ب الله وإنما لم يدخل مالك وأحمد وغيرهما تنجيز بالطلاق موافقة لابن عباس لأن إيقاع الطلاق ليس بحلف وإنما الحلف المنعقد ما تضمن محلوفاً به ومحلوفاً عليه أما بصيغة القسم وأما بصيغة الجزاء وما كان في معنى ذلك كما سنذكره إن شاء الله تعالى وهذه الدلالة تنبيه على أصول الشافعي وأحمد ومن وافقهم في
مسألة نذر اللجاج والغضب فإنهم احتجوا على التكفير فيه بهذا الآية وجعلوا قوله: {تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} التحريم: 2 كفارة أيمانكم عامَّا في اليمين بالله واليمين بالنذر ومعلوم أن شمول اللفظ لنذر اللجاج والغضب في الحج والعتق ونحوهما سواء فإن قيل: المراد في الآية اليمين بالله فقط فإن هذا هو المفهوم من مطلق اليمين ويجوز أن يكون التعريف بالألف واللام والإضافة في قوله عقدتم الأيمان وتحلة أيمانكم منصرفاً إلى اليمين المعهودة عليهم