فأمر المؤمنين عند تنازعهم بردٍ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول فما تنازع فيه السلف والخلف وجب رده إلى الكتاب والسنة وليس في الكتاب والسنة ما يوجب الإلزام بالثلاث بمن أوقعها جملة بكلمة أو كلمات بدون رجعة أو عقدٍ بل إنما في الكتاب والسنة الإلزام بذلك من طلق الطلاق الذي أباحَه الله ورسوله وعلى هذا يدل القياس والاعتبار بسائر أصول الشرع فإن كل عقد يباح تارة ويحرم تارة كالبيع والنكاح إذا فعل على الوجه المحرم لم يكن لازماً نافذاً كما يلزم الحلال الذي أباحه الله ورسوله ولهذا اتفق المسلمون على أن ما حرمه الله من نكاح المحارم ومن النكاح في العدة ونحو ذلك يقع باطلاً غير لازم وكذلك ما حرمه الله من بيع المحرمات: كالخمر والخنزير والميتة وهذا بخلاف ما كان محرم الجنس كالظهار والقذف والكذب وشهادة الزور ونحو ذلك فإن هذا يستحق من فَعَلَهُ العقوبة بما شرعه الله من الأحكام فإنه لا يكون تارة حلالاً وتارة حراماً حتى يكون تارة صحيحاً وتارة فاسداً وما كان محرماً من أحد الجانبين مباحاً من الجانب الآخر كافتداء الأسير واشتراء المجحود عتقه ورشوة الظالم لدفع ظلمة أو لبذل الحق الواجب وكاشتراء الانسان الْمُصَرَّاة وما دُلس عَيْبُه وإعطاء المؤلفة قلوبهم ليفعل الواجب أو ليترك المحرم وكبيع الجالب لمن تلقى منه ونحو ذلك فإن المظلوم يباح له فَعَلَهُ وله أن يفسخ العقد وله أن يمضيه بخلاف الظالم فإن ما فعله ليس بلازم
والطلاق هو مما أباحه الله تارة وحرمه أخرى فإذا فعل على الوجه الذي حرمه الله ورسوله لم يكن لازماً نافذاً كما يلزم ما أحله الله ورسوله كما في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" وقد قال تعالى: {الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} البقرة: 229 فبين أن الطلاق الذي شرعه الله للمدخول بها وهو الطلاق الرجعي ( مرتان ) وبعد المرتين: إما ( إمساك بمعروف ) بأن يراجعها فتبقى زوجته وتبقى معه على طلقة واحدة وإما ( تسريح بإحسان ) بأن يرسلها إذا انقضت العدة كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ