فإن هذا بمنزلة قوله: أنت طالق إن شاء الله وقول أحمد إنما يكون الإستثناء فيما فيه حكم الكفارة والطلاق والعتاق لا يكفران كلام حسن بليغ لما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم أخرج حكم الإستثناء وحكم الكفارة مخرجاً واحداً بصيغة الجزاء وبصيغة واحدة فلا يفرق بين ما جمعه النبي صلى الله عليه وسلم إنما يقع لما علق به الفعل فإن الأحكام التي هي الطلاق والعتق ونحوهما لا تعلق على مشيئة الله تعالى بعد وجود أسبابها فإنها واجبة بوجوب أسبابها فإذا انعقدت أسبابها فقد شاءها الله وإنما تعلق على الحوادث التي قد يشاءها الله وقد لا يشاءها من أفعال العباد ونحوها والكفارة إنما شرعت لما يحصل من الحنث في اليمين التي قد يحصل فيها الموافقة بالبر تارة والمخالفة بالحنث أخرى ووجوب الكفارة بالحنث في اليمين التي تحتمل الموافقة والمخالفة كارتفاع اليمين بالمشيئة التي تحتمل التعليق وعدم التعليق فكل من حلف على شيء ليفعلنه فلم يفعله فإنه إن علقه بالمشيئة فلا حنث عليه وإن لم يعلقه بالمشيئة لزمته الكفارة فالاستثناء والتكفير يتعاقبان اليمين إذا لم يحصل فيها الموافقة فهذا أصل صحيح يدفع ما وقع في هذا الباب من الزيادة أو النقص فهذا على ما أوجبه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يقال بعد ذلك قول أحمد وغيره: الطلاق والعتاق لا يكفران كقول غيره لا استثناء فيهما وهذا في إيقاع الطلاق والعتاق وأما الحلف بهما فليس تكفيراً لهما وإنما هو تكفير للحلف بهما كما أنه إذا حلف بالصلاة والصيام والصدقة والحج والهدي ونحو ذلك في نذر اللجاج والغضب فإنه لم يكفر الصلاة والصيام والحج والهدي وإنما يكفر الحلف بهم وإلا فالصلاة لا كفارة فيها وكذلك هذه العبادات لا كفارة فيها لمن يقدر عليها وكما أنه إذا قال: إن فعلت كذا فعلي أن أعتق فإن عليه الكفارة بلا خلاف في مذهب أحمد وموافقة من القائلين بنذر اللجاج والغضب وليس ذلك تكفيراً للعتق وإنما هو تكفير للحلف به فلازم قول أحمد هذا أنه إذا جعل الحلف بهما يصح فيه الإستثناء كان الحلف بهما يصح فيه الكفارة وهذا موجب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمناه وأما من لم يجعل الحلف بهما يصح فيه الاستثناء كأحد القولين في مذهب أحمد ومذهب مالك فهو قول مرجوح ونحن في هذا المقام إنما نتكلم بتقدير تسليمه وسنتكلم إن شاء الله في