First Previous Next Last
فيقول: ما علمت أحداً اشترط أن يكون البدل في الوقف الأول بل النصوص عند أحمد وأصوله وعموم كلامه وكلام أصحابه وإطلاقه يقتضي أن يفعل في ذلك ما هو مصلحة أهل الوقف فإن أصله في هذا الباب مرعاة مصلحة الوقف بل أصله في عامة العقود اعتبار مصلحة الناس فإن الله أمر بالصلاح ونهى عن الفساد وبعث رسله بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وقال موسى لأخيه هارون: {اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ} الأعراف: 142 وقال شعيب: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْأِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} هود: 88 وقال تعالى: {فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} الأعراف: 35 وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} البقرة: 11 وقد جوز أحمد بن حنبل إبدال مسجد بمسجد آخر للمصلحة كما جوّز تغييره للمصلحة واحتج بأن عمر بن الخطاب -رَضيَ الله ُ عنهُ- أبدل مسجد الكوفة القديم بمسجد آخر وصار المسجد الأول سوقاً للمارين وجوز أحمد إذا خرب المكان أن ينقل المسجد إلى قرية أخرى بل ويجوز في أظهر الروايتين عنه أن يباع ذلك المسجد ويعمر بثمنه مسجد آخر في قرية أخرى إذا لم يحتج إليه في القرية الأولى فاعتبر المصلحة بجنس المسجد وإن كان في قرية غير القرية الأولى إذا كان جنس المساجد مشتركة بين المسلمين والوقف على قوم بعينهم أحق بجواز نقله إلى مدينتهم من المسجد فإن الوقف على معينين حق لهم لا يشركهم فيه غيرهم وغاية ما فيه أن يكون بعد انقضائهم لجهة عامة كالفقراء والمساكين فيكون كالمسجد فإذا كان الوقف ببلدهم أصلح لهم كان اشتراء البدل ببلدهم هو الذي ينبغي فعله لمتولي ذلك وصار هذا كالفرس الحبيس الذي يباع ويشتري بقيمته ما يقوم مقامه إذا كان محبوساً على ناس ببعض الثغور ثم انتقلوا إلى ثغر آخر فشراء البدل بالثغر الذي هو فيه مضمون أولى من شرائه بثغر آخر وإن كان الفرس حبيساً على جميع المسلمين فهو بمنزلة الوقف على جهة عامة كالمساجد والوقف على المساكين ومما يبين هذا أن الوقف لو كان منقولاً كالنور والسلاح وكتب العلم وهو وقف على ذرية رجل يعينهم جاز أن يكون مقر الوقف حيث كانوا بل كان هذا هو المتعين بخلاف ما لو أوقف على أهل بلد بعينه لكن إذا صار له عوض هل يشتري به ما يقوم مقامه كان العوض