وقول الطائفة الثانية أشبه بالأصول والنصوص فإن هذا القول متناقض إذا الأصل الذي عليه السلف والفقهاء: أن العبادات والعقود المحرمة إذا فعلت على الوجه المحرم لم تكن لازمة صحيحة وهذا وإن كان نازع فيه طائفة من أهل الكلام فالصواب مع السلف وأئمة الفقهاء لأن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كانو يستدلون على فساد العبادات والعقوبة بتحريم الشارع لها وهذا متواتر عنهم وأيضاً فإن لم يكن ذلك دليلاً على فسادها لم يكن عن الشارع ما يبيِّن الصحيح من الفاسد فإن الذين قالوا: النهي لا يقتضي الفساد قالوا: نعلم صحة العبادات والعقود وفسادها بجعل الشارع هذا شرطاً أو مانعاً ونحو ذلك وقوله: هذا صحيح وليس بصحيح من خطاب الوضع والإخبار ومعلوم أنه ليس في كلام الله ورسوله وهذه العبادات مثل قوله: الطهارة شرط في الصلاة والكفر مانع من صحة الصلاة وهذا العقد وهذا العبادات لا تصح ونحو ذلك بل إنما في كلامه الأمر والنهي والتحليل والتحريم وفي نفي القبول والصلاح كقوله: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول" وقوله: هذا لا يصلح وفي كلامه: إن الله يكره كذا وفي كلامه: الوعد ونحو ذلك من العبارات فلم نستفد الصحة والفساد إلا بما ذكره وهو لا يلزم أن يكون الشارع بيَّن ذلك وهذا مما يعلم فساده قطعاً. وأيضاً فالشارع يحرم الشيء لما فيه من المفسدة الخالصة أو الراجحة ومقصوده بالتحريم المنع من ذلك الفساد وجعله معدوماً فلو كان مع التحريم يترتب عليه من الأحكام ما يترتب على الحلال فيجعله لازماً نافذاً كالحلال لكان ذلك إلزاماً منه بالفساد الذي قصد عدمه فيلزم أن يكون ذلك الفساد قد أراد عدمه مع أنه ألزم الناس به وهذا تناقض ينزه عنه الشارع صلى الله عليه وسلم وقد قال بعض هؤلاء: إنه لما حرم الطلاق الثلاث لئلا يلزم المطلق دل على لزوم الندم له إذا فعله وهذا يقتضي صحته فيقال له: هذا يتضمن أن كلَّ ما نهى الله عنه يكون صحيحاً كالجمع بين المرأة وعمتها لئلا يفضي إلى قطيعة الرحم فيقال: إن كان ما قاله هذا صحيحاً هنا دليل على صحة العقد إذ لو كان فاسداً لم تحصل القطيعة وهذا جهل وذلك أن الشارع بيّن حكمته في منعه مما نهى عنه وأنه لو أباحه للزم الفساد فقوله: تعالى: {لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً} الطلاق: 1 وقوله