First Previous Next Last
المشهورين به فإن الطلاق أذن فيه أولاً ولم يأمر فيه بالإشهاد وإنما أمر بالاشهاد حين قال: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} الطلاق: 2 والمراد هنا بالمفارقة: تخلية سبيلها إذا قضت العدة وهذا ليس بطلاق ولا برجعة ولا نكاح والإشهاد في هذا باتفاق المسلمين فعلم أن الإشهاد إنما هو على الرجعة ومن حكمة ذلك: أنه قد يطلقها ويرتجعها فيزين له الشيطان كتمان ذلك حتى يطلقها بعد ذلك طلاقاً محرماً ولا دري أحد فتكون معه حراماً فأمر الله أن يشهد على الرجعة ليظهر أنه قد وقعت به طلقة كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم من وجد اللقطة أن يشهد عليها لئلا يزيِّن الشيطان له كتمان اللقطة وهذا بخلاف الطلاق فإنه إذا طلقها ولم يراجعها بل خلى سبيلها فإنه يظهر للناس أنها ليست امرأته بل هي مطلقة بخلاف ما إذا بقيت زوجة عنده فإنه لا يدري الناس أطلقها أم لم يطلقها وأما النكاح فلا بد من التمييز بينه وبين السفاح وإتخاذ الأخدان كما أمر الله تعالى ولهذا مضت السنة بإعلانه فلا يجوز أن يكون كالسفاح مكتوماً لكن هل الواجب مجرد الإشهاد أو مجرد الاعلان وإن لم يكن إشهاد أو يكفي أيهما كان هذا فيه نزاع بين العلماء كما قد ذكر في موضعه وقال الله تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً} الطلاق: 23 وهذه الآية عامة في كل من يتق الله وسياق الآية يدل على أن التقوى مرادة من هذا النص العام فمن اتقى الطلاق فطلق كما أمر الله تعالى جعل الله له مخرجاً مما ضاق على غيره ومن يتعد حدود الله فيفعل ما حرم الله عليه فقد ظلم نفسه ومن كان جاهلاً بتحريم طلاق البدعة فلم يعلم أن الطلاق في الحيض محرم أو أن جمع الثلاث محرم: فهذا إذا عرف التحريم وتاب وصار ممن اتقى الله فاستحق أن يجعل الله له مخرجاً. ومن كان يعلم أن ذلك حرام وفعل المحرم وهو يعتقد أنها تحرم عليه ولم يكن عنده إلا من يفتيه بأنها تحرم عليه: فإنه يعاقب عقوبة بقدر ظلمه كمعاقبة أهل السبت بمنع الحيتان أن تأتيهم فإنه ممن لم يتق الله فعوقب بالضيق