المحلل فإن المرأة ليس لها رغبة فيه بحال وهو ليس له رغبة فيها بل في أخذ ما يعطاه وإن كان له رغبة فهي رغبته في الوطء لا في اتخاذها زوجة من جنس رغبة الزاني ولهذا قال ابن عمر لا يزالان زانيين وإن مكثا عشرين سنة إذ الله علم من قلبه أنه يريد أن يحلها له ولهذا تعدم فيه خصائص النكاح فإن النكاح المعروف كما قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} الروم: 21 والتحليل فيه البغضة والنفرة ولهذا لا يُظْهِرُه أصحابه بل يكتمونه كما يكتم السفاح ومن شعائر النكاح إعلانه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالدف" ولهذا يكفي في إعلانه الشهادة عليه عند طائفة من العلماء وطائفة أخرى توجب الإشهاد والإعلان فإذا تواصوا بكتمانه بطل
ومن ذلك الوليمة عليه والنثار والطيب والشراب ونحو ذلك مما جرت به عادات الناس في النكاح وأما التحليل فإنه لا يفعل فيه شيء من هذا لأن أهله لم يريدوا أن يكون المحلل زوج المرأة ولا أن تكون المرأة امرأته وإنما المقصود استعارته لينزو عليها كما جاء في الحديث المرفوع تسميته بالتيس المستعار ولهذا شبه بحمار العشريين الذي يكترى للتقفيز على الإناث ولهذا لا تبقى المرأة مع زوجها بعد التحليل كما كانت قبله بل يحصل بينهما نوع من النفرة ولهذا لما لم يكن في التحليل مقصود صحيح يأمر به الشارع صار الشيطان يشبه به أشياء مخالفة للإجماع فصار طائفة من عامة الناس يظنون أن ولادتها لذكر يحلها أو أن وطئها بالرجل على قدمها أو رأسها أو فوق سقف أو سلم هي تحته يحلها ومنهم من يظن أنهما إذا التقيا بعرفات كما التقى آدم وامرأته أحلها ذلك ومنهن من إذا تزوجت بالمحلل به لم تمكنه من نفسها بل تمكنه من أمة لها ومنهن من تعطيه شيئاً وتوصيه بأن يقر بوطئها ومنهم من يحلل الأم وبنتها إلى أمور أخر قد بسطت في غير هذا الموضع بيّناها في "كتاب بيان الدليل على بطلان التحليل" ولا ريب أن المنسوخ من الشريعة وما تنازع فيه السلف خير من مثل هذا فإنه لو قدر أن الشريعة تأتي بأن الطلاق لا عدد له لكان هذا ممكناً وإن كان هذا منسوخاً