فإن الشارع لم يدل الناس قط بهذه الألفاظ التي ذكروها ولا يوجد في كلامه شروط البيع أو النكا: كذا وكذا ولا: هذه العبادة أو العقد صحيح أو ليس بصحيح ونحو ذلك مما جعلوه دليلاً على الصحة والفساد بل هذه كلها عبارات أحدثها من أحدثها من أهل الرأي والكلام
وإنما الشارع دل الناس بالأمر والنهي والتحليل والتحريم بقوله في عقود هذا لا يصلح فيقال: الصلاح المضاد للفساد فإذا قال: لا يصلح عُلِمَ أنه فاسد كما قال في بيع مُدَّيْن بمُدٍّ تمراً: "لا يصلح" والصحابة والتابعون وسائر أئمة المسلمين كانوا يحتجون على فساد العقود بمجرد النهي كما احتجوا على فساد نكاح ذوات المحارم بالنهي المذكور في القرآن وكذلك على فساد عقد الجمع بين الأختين ومنهم من توهم أن التحريم فيها تعارض فيها نصان فتوقف
وقيل: إن بعضهم أباح الجمع وكذا نكاح المطلقة ثلاثاً استدلوا على فساد بقوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} البقرة 230 وكذلك الصحابة استدلوا على فساد نكاح الشغار بالنهي عنه وكذلك عقود الربا وغيرها وأنهم قد علموا أن ما نهى الله عنه فهو من الفساد ليس من الصلاح فإن الله لا يحب الفساد ويحب الصلاح فلا ينهى عما يحبه وأنما ينهى عما لا يحبه فعلموا أن المنهي عنه فاسد ليس بصلاح وإن كانت فيه مصلحة فمصلحة مرجوحة بمفسدته وقد علموا أن مقصود الشرع رفع الفساد ومنعه لا إيقاعه والإلزام به فلو ألزموا بموجب العقود المحرمة لكانوا مفسدين غير مصلحين و الله لا يصلح عمل المفسدين وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} البقرة: 11 أي: لا تعملوا بمعصية الله فكل من عمل بمعصية الله فهو مفسد والمحرمات معصية الله فالشارع ينهي عنها ليمنع الفساد ويدفعه ولا يوجد قط في شيء من صور النهي صورة ثبتت فيها الصحة بنص ولا إجماع فالطلاق المحرم والصلاة في الدار المغصوبة فيها نزاع وليس على الصحة نص يجب اتباعه فلم يبق مع المحتج بهما حجة.