واتفقت الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين على: أنه يسوِّغ للقاضي أن يقضي في هذه المسائل جميعها بأنه: إذا حنث في ذلك كله لا يلزمه شيء ما حلف به بل إما لا يجب عليه شيء وإما أن تجزيه الكفارة ويسوغ للمفتي أن يفتي بذلك وما زال في المسلمين من يفتي بذلك من حين حدث الحلف بها وإلى هذه الأزمنة منهم من يفتي بالكفارة فيها ومنهم يفتي بأنه لا كفارة فيها ولا لزوم المحلوف به كما أن منهم من يفتي بلزوم المحلوف به
وإذا كانت المسألة مسألة نزاع في السلف والخلف ولم يكن مع من ألزم الحالف بالطلاق أو غيره نص كتاب ولا سنة ولا إجماع كان القول بنفي لزومه سائغاً باتفاق الأئمة الأربعة وسائر أئمة المسلمين بل هم متفقون على أنه ليس لأحد أن يمنع قاضياً يصلح للقضاء أن يقضي بذلك ولا يمنع مفتياً يصلح للفتيا أن يفتي بذلك بل هم يسوغون الفتيا والقضاء في أقوال ضعيفة لوجود الخلاف فيها فكيف يمنعون مثل هذا القول الذي دل عليه الكتاب والسنة والقياس الصحيح الشرعي والقول به ثابت عن السلف والخلف بل الصحابة الذين هم خير هذه الأمة ثبت عنهم أنهم أفتوا في الحلف بالعتق الذي هو أحب إلى الله -تعالى- من الطلاق: أنه لا يلزم الحالف به بل يجزيه كفارة يمين فكيف يكون قولهم في الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله وهل يظن بالصحابة رضوان الله عليهم أنهم يقولون فيمن حلف بما يحبه الله من الطاعات كالصلاة والصيام والصدقة والحج أنه لا يلزمه أن يفعل هذه الطاعات بل يجزيه كفارة يمين ويقولون فيما لا يحبه الله بل يبغضه: إنه يلزم من حلف به
وقد اتفق المسلمون على أنه من حلف بالكفر والإسلام أنه لا يلزمه كفر ولا إسلام فلو قال: إن فعلت كذا فأنا يهودي وفعله لم يصر يهودياً بالاتفاق وهل يلزمه كفارة يمين على قولين:
أحدهما: يلزمه: وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه
والثاني: لا يلزمه وهو قول مالك والشافعي لأن قصده بيمينه أن لا يلزمه لفرط بغضه له ولو قال اليهودي: إن فعلت كذا فأنا مسلم وفعله لم يصر مسلماً بالاتفاق لأن الحالف حلف بما يلزمه وقوعه وهكذا إذا قال المسلم: إن فعلت كذا فنسائي طوالق وعبيدي أحرار وأنا يهودي وهو يكره أن يطلِّق نساءه